الشوكاني
58
فتح القدير
خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى . قوله ( وليزيدن كثيرا منهم ) الخ ، اللام هي لام القسم : أي ليزيدن كثيرا من اليهود والنصارى ما أنزل إليك من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة ( طغيانا وكفرا ) أي طغيانا إلى طغيانهم وكفرا إلى كفرهم . قوله ( وألقينا بينهم ) أي بين اليهود ( العداوة والبغضاء ) أو بين اليهود والنصارى . قوله ( كلما أوقدوا نار للحرب أطفأها الله ) أي كلما جمعوا للحرب جمعا وأعدوا له عدة شتت الله جمعهم ، وذهب بريحهم فلم يظفروا بطائل ولا عادوا بفائدة ، بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم ، وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها ، ثم يبطل الله ذلك ، والآية مشتملة عل استعارة بليغة ، وأسلوب بديع ( ويسعون في الأرض فسادا ) أي يجتهدون في فعل ما فيه فساد ، ومن أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله ، وقيل المراد بالنار هنا الغضب : أي كلما أثاروا في أنفسهم غضبا أطفأه الله بما جعله من الرعب في صدورهم والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم . قوله ( والله لا يحب المفسدين ) إن كانت اللام للجنس فهم داخلون في ذلك دخولا أوليا ، وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان شدة فسادهم وكونهم لا ينفكون عنه . قوله ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ) أي لو أن المتمسكين بالكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، على أن التعريف للجنس ( آمنوا ) الإيمان الذي طلبه الله منهم ، ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم ( واتقوا ) المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله ( لكفرنا عنهم سيئاتهم ) التي اقترفوها ، وإن كانت كثيرة متنوعة ، وقيل المعنى : لوسعنا عليهم في أرزاقهم ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ) أي أقاموا ما فيهما من الأحكام التي من جملتها الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم . قوله ( وما أنزل الله إليهم من ربهم ) من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتها وتعدد أنواعها . قوله ( منهم أمة مقتصدة ) جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة ، أو البعض منهم دون البعض ، والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه وطائفة من النصارى ( وكثير منهم ساء ما يعملون ) وهم المصرون على الكفر المتمردون عن إجابة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان بما جاء به . وقد أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس : إن ربك بخيل لا ينفق ، فأنزل الله ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) الآية . وأخرج أبو الشيخ عنه أنها نزلت في فنحاص اليهودي . وأخرج مثله ابن جرير عن عكرمة . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) أي بخيلة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه نحوه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) قال : حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه وهم يجدونه مكتوبا عندهم . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( كلما أوقدوا نارا للحرب ) قال : حرب محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى في الآية : كلما أجمعوا أمرهم على شئ فرقه الله وأطفأ حدهم ونارهم وقذف في قلوبهم الرعب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ) قال : آمنوا بما أنزل على محمد واتقوا ما حرم الله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( ولو