الشوكاني
54
فتح القدير
قوله ( لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ) هذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزؤا ولعبا يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام ، والبيان بقوله ( من الذين أوتوا الكتاب ) إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي . قوله ( والكفار ) قرأ أبو عمرو والكسائي بالجر على تقدير من : أي ومن الكفار . قال الكسائي : وفى حرف أبي - ومن الكفار - وقرأ من عداهما بالنصب . قال النحاس : وهو أوضح وأبين . وقال مكي : لولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض لقوته في الإعراب وفى المعنى ، والمراد بالكفار هنا المشركون ، وقيل المنافقون ( واتقوا الله ) بترك ما نهاكم عنه من هذا وغيره ( إن كنتم مؤمنين ) فإن الإيمان يقتضى ذلك ، والنداء الدعاء برفع الصوت وناداه مناداة ونداء : صاح به ، وتنادوا : أي نادى بعضهم بعضا . وتنادوا : أي جلسوا في النادي ، والضمير في ( اتخذوها ) للصلاة : أي اتخذوا صلاتكم هزؤا ولعبا ، وقيل الضمير للمناداة المدلول عليها بناديتم . قيل وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذا الموضع ، وأما قوله تعالى في الجمعة - إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة - فهو خاص بنداء الجمعة . وقد اختلف أهل العلم في كون الأذان واجبا أو غير واجب ، وفى ألفاظه وهو مبسوط في مواطنه . قوله ( ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) أي ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون ، لأن الهزؤ واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش . قوله ( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ) يقال : نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم : إذا عبت عليه . قال الكسائي : نقمت بالكسر لغة ، ونقمت الأمر أيضا ونقمت : إذا كرهته ، وانتقم الله منه : أي عاقبه ، والاسم منه النقمة ، والجمع نقمات ، مثل كلمة وكلمات ، وإن شئت سكنت القاف ونفلت حركتها إلى النون ، والجمع نقم مثل نعمة ونعم ، وقيل المعنى يسخطون ، وقيل ينكرون . قال عبد الله بن قيس الرقيات : ما نقموا من بنى أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا وقال الله سبحانه - وما نقموا منهم - والمعنى في الآية : هل تعيبون أو تسخطون أو تنكرون أو تكرهون منا إلا إيماننا بالله وبكتبه المنزلة ، وقد علمتم بأنا على الحق ( وأن أكثركم فاسقون ) بترككم للإيمان والخروج عن امتثال أوامر الله . وقوله ( وأن أكثركم فاسقون ) معطوف على أن آمنا : أي ما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان . وفيه أن المؤمنين لم يجمعوا بين الأمرين المذكورين . فإن الإيمان من جهتهم والتمرد والخروج من جهة الناقمين ، وقيل هو على تقدير محذوف : أي واعتقادنا أن أكثركم فاسقون ، وقيل إن قوله ( أن آمنا ) هو منصوب على أنه مفعول له والمفعول محذوف ، فيكون ( وأن أكثركم فاسقون ) معطوفا عليه عطف العلة على العلة . والتقدير : وما تنقمون منا إلا لأن آمنا ، ولأن أكثركم فاسقون ، وقيل معطوف على علة محذوفة ، أي لقلة إنصافكم ، ولأن أكثركم فاسقون ، وقيل الواو في قوله ( وأن أكثركم فاسقون ) هي التي بمعنى مع : أي ما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون ، وقيل هو منصوب بفعل محذوف يدل عليه هل تنقمون : أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ، وقيل هو مرفوع على الابتداء والخبر محذوف : أي وفسقكم معلوم فتكون الجملة حالية ، وقرئ بكسر إن من قوله ( وإن أكثركم فاسقون ) فتكون جملة مستأنفة . قوله ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك ) بين الله سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب ، وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه ، والمعنى : هل أنبئكم بشر من نقمكم علينا أو بشر مما تريدون لنا من المكروه أو بشر من أهل الكتاب أو بشر من دينهم . وقوله ( مثوبة ) أي جزاء ثابتا . وهي مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر . ووضعت هنا موضع العقوبة على طريقة - فبشرهم بعذاب أليم - وهي منصوبة على التمييز