الشوكاني
523
فتح القدير
سورة هو الآية ( 103 - 108 ) المراد بالآيات التوراة ، والسلطان المبين : المعجزات ، وقيل المراد بالآيات هي التسع المذكورة في غير هذا الموضع ، والسلطان المبين : العصا ، وهي وإن كانت من التسع لكنها لما كانت أبهرها أفردت بالذكر ، وقيل المراد بالآيات ما يفيد الظن ، والسلطان المبين ما يفيد القطع بما جاء به موسى ، وقيل هما جميعا عبارة عن شئ واحد : أي أرسلناه بما يجمع وصف كونه آية ، وكونه سلطانا مبينا ، وقيل إن السلطان المبين : ما أورده موسى على فرعون في المحاورة بينهما ( إلى فرعون وملائه ) أي أرسلناه بذلك إلى هؤلاء . وقد تقدم أن الملأ أشراف القوم ، وإنما خصهم بالذكر دون سائر القوم ، لأنهم أتباع لهم في الإصدار والإيراد ، وخص هؤلاء الملأ دون فرعون بقوله ( فاتبعوا أمر فرعون ) أي أمره لهم بالكفر ، لأن حال فرعون في الكفر أمر واضح ، إذ كفر قومه من الأشراف وغيرهم إنما هو مستند إلى كفره ، ويجوز أن يراد بأمر فرعون شأنه وطريقته فيعم الكفر وغيره ( وما أمر فرعون برشيد ) أي ليس فيه رشد قط ، بل هو غي وضلال ، والرشيد بمعنى المرشد ، والإسناد مجازي ، أو بمعنى ذي رشد ، وفيه تعريض بأن الرشد في أمر موسى ( يقدم قومه يوم القيامة ) من قدمه بمعنى تقدمه : أي يصير متقدما لهم يوم القيامة سابقا لهم إلى عذاب النار كما كان يتقدمهم في الدنيا ( فأوردهم النار ) أي إنه لا يزال متقدما لهم وهم يتبعونه حتى يوردهم النار ، وعبر بالماضي تنبيها على تحقق وقوعه ، ثم ذم الورد الذي أوردهم إليه ، فقال ( وبئس الورد المورود ) لأن الوارد إلى الماء الذي يقول له الورد ، إنما يرده ليطفئ حر العطش ، ويذهب ظمأه ، والنار على ضد ذلك ، ثم ذمهم بعد ذم المكان الذي يردونه ، فقال ( وأتبعوا في هذه لعنة ) أي أتبع قوم فرعون مطلقا ، أو الملأ خاصة ، أو هم وفرعون في هذه الدنيا لعنة عظيمة : أي طردا وإبعادا ( ويوم القيامة ) أي وأتبعوا لعنة يوم القيامة يلعنهم أهل المحشر جميعا ، ثم إنه جعل اللعنة رفدا لهم على طريقة التهكم ، فقال ( بئس الرفد المرفود ) . قال الكسائي وأبو عبيدة : رفدته أرفده رفدا : أمنته وأعطيته ، واسم العطية الرفد : أي بئس العطاء ، والإعانة ما أعطوهم إياه ، وأعانوهم به ، والمخصوص بالذم محذوف : أي رفدهم ، وهو اللعنة التي أتبعوها في الدنيا والآخرة كأنها لعنة بعد لعنة تمد الأخرى الأولى وتؤبدها . وذكر الماوردي حكاية عن الأصمعي أن الرفد بالفتح : القدح ، وبالكسر : ما فيه من الشراب فكأنه ذم ما يستقونه في النار ، وهذا أنسب بالمقام ، وقيل إن الرفد الزيادة : أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق ، وهو الزيادة قاله الكلبي ، والإشارة بقوله ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك ) أي ما قصه الله سبحانه في هذه السورة من أخبار الأمم السالفة وما فعلوه مع أنبيائهم : أي