الشوكاني
514
فتح القدير
لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة ، يقال أهرع الرجل إهراعا : أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى ، قال مهلهل : فجاءوا يهرعون وهم أسارى * نهودهم على رغم الأنوف وقيل يهرعون : يهرولون ، وقيل هو مشي بين الهرولة والعدو . والمعنى : أن قوم لوط لما بلغهم مجئ الملائكة في تلك الصورة أسرعوا إليه كأنما يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه ( ومن قبل كانوا يعملون السيئات ) أي ومن قبل مجئ الرسل في هذا الوقت كانوا يعملون السيئات ، وقيل ومن قبل لوط كانوا يعملون السيئات : أي كانت عادتهم إتيان الرجال ، فلما جاءوا إلى لوط ، وقصدوا أضيافه لذلك العمل ، قام إليهم لوط مدافعا ( وقال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) أي تزوجوهن ، ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي ، وقد كان له ثلاث بنات ، وقيل اثنتان ، وكانوا يطلبون منه أن يزوجهم بهن فيمتنع لخبثهم ، وكان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما بنتيه ، وقيل أراد بقوله ( هؤلاء بناتي ) النساء جملة ، لأن نبي القوم أب لهم ، وقالت طائفة : إنما كان هذا القول منه على طريق المدافعة ولم يرد الحقيقة . ومعنى ( هن أطهر لكم ) أي أحل وأنزه ، والتطهر ، التنزه عما لا يحل ، وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل ، بل هي مثل " الله أكبر " . وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بنصب أطهر ، وقرأ الباقون بالرفع ، ووجه النصب أن يكون اسم الإشارة مبتدأ وخبره بناتي ، وهن ضمير فصل ، وأطهر حال . وقد منع الخليل وسيبويه والأخفش مثل هذا ، لأن ضمير الفصل الذي يسمى عمادا إنما يكون بين كلامين بحيث لا يتم الكلام إلا بما بعدها ، نحو كان زيد هو أخاك ( فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ) أي اتقوا الله بترك ما تريدون من الفاحشة بهم ، ولا تذلوني وتجلبوا على العار في ضيفي ، والضيف يطلق على الواحد والاثنين والجماعة ، لأنه في الأصل مصدر ، ومنه قول الشاعر : لا تعدمي الدهر شفار الجازر * للضيف والضيف أحق زائر ويجوز فيه التثنية والجمع ، والأول أكثر يقال خزي الرجل خزاية : أي استحيا أو ذل أو هان ، وخزى خزيا : إذا افتضح ، ومعنى في ضيفي : في حق ضيفي ، فخزى الضيف خزي للمضيف ، ثم وبخهم فقال ( أليس منكم رجل رشيد ) يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح ويمنعكم منه ، فأجابوا عليه معرضين عما نصحهم به ، وأرشدهم إليه بقولهم ( ما لنا في بناتك من حق ) أي ما لنا فيهم من شهوة ولا حاجة ، لأن من احتاج إلى شئ فكأنه حصل له فيه نوع حق . ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور وشدة الشهوة إليهم ، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء ، ويمكن أن يريدوا : أنه لا حق لنا في نكاحهن ، لأنه لا ينكحهن ويتزوج بهن إلا مؤمن ونحن لا نؤمن أبدا ، وقيل إنهم كانوا قد خطبوا بناته من قبل فردهم ، وكان من سنتهم أن من خطب فرد فلا تحل المخطوبة أبدا ، ( وإنك لتعلم ما نريد ) من إتيان الذكور ، ثم إنه لما علم تصميمهم على الفاحشة وأنهم لا يتركون ما قد طلبوه ( قال لو أن لي بكم قوة ) وجواب لو محذوف ، والتقدير : لدافعتكم عنهم ومنعتكم منهم ، وهذا منه عليه السلام على طريق التمني : أي لو وجدت معينا وناصرا ، فسمى ما يتقوى به قوة ( أو آوى إلى ركن شديد ) عطف على ما بعد لو لما فيه من معنى الفعل ، والتقدير : لو قويت على دفعكم أو آويت إلى ركن شديد . وقرئ " أو آوى " بالنصب عطفا على قوة كأنه قال : لو أن لي بكم قوة . أو إيواء إلى ركن شديد ، ومراده بالركن الشديد : العشيرة ، وما يمتنع به عنهم هو ومن معه . وقيل أراد بالقوة :