الشوكاني

51

فتح القدير

وانكشاف خلافها . قوله ( يقول الذين آمنوا ) قرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وأهل الكوفة بإثبات الواو ، وقرأ الباقون بحذفها ، فعلى القراءة الأولى مع رفع يقول يكون كلاما مبتدأ مسوقا لبيان ما وقع من هذه الطائفة ، وعلى قراءة النصب يكون عطفا على ( فيصبحوا ) وقيل على ( يأتي ) والأولى أولى ، لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة الكافرين لا عند إتيان الفتح ، وقيل هو معطوف على الفتح كقول الشاعر : * للبس عباءة وتقر عيني * وأما على قراءة حذف الواو فالجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر والإشارة بقوله ( أهؤلاء ) إلى المنافقين : أي يقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين ( أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ) بالمناصرة يا والمعاضدة في القتال ، أو يقول بعض المؤمنين لبعض مشيرين إلى المنافقين ، وهذه الجملة مفسرة للقول . وجهد الأيمان : أغلظها ، وهو منصوب على المصدر أو على الحال . أي أقسموا بالله جاهدين . قوله ( حبطت أعمالهم ) أي بطلت وهو من تمام قول المؤمنين أو جملة مستأنفة والقائل الله سبحانه . والأعمال هي التي عملوها في الموالاة أو كل عمل يعملونه . قوله ( يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم ) قرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين بفك الإدغام ، وهي لغة تميم ، وقرأ غيرهم بالإدغام . وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر ، وذلك نوع من أنواع الردة . والمراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه بالإتيان بهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة ، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن ، ثم وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من كونهم يحبون الله وهو يحبهم ، ومن كونهم ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) والأذلة : جمع ذليل لا ذلول ، والأعزة : جمع عزيز : أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين ، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في الدين ، بل هم متصلبون لولا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب حسدا وبغضا وكراهة للحق وأهله ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم من الصفات التي اختصهم الله بها ، والفضل : اللطف والإحسان . قوله ( إنما وليكم الله ) لما فرغ سبحانه من بيان من لا تحل موالاته بين من هو الولي الذي تجب موالاته ، ومحل ( الذين يقيمون الصلاة ) الرفع على أنه صفة للذين آمنوا أو بدل منه أو النصب على المدح . وقوله ( وهم راكعون ) جملة حالية من فاعل الفعلين اللذين قبله . والمراد بالركوع : الخشوع والخضوع : أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم خاشعون خاضعون لا يتكبرون ، وقيل هو حال من فاعل الزكاة . والمراد بالركوع هو المعنى المذكور : أي يضعون الزكاة في مواضعها غير متكبرين على الفقراء ولا مترفعين عليهم ، وقيل المراد بالركوع على المعنى الثاني : ركوع الصلاة ، ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة في تلك الحال ، ثم وعد سبحانه من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا بأنهم الغالبون لعدوهم ، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر ، ووضع حزب الله موضع ضمير الموالين لله ولرسوله وللمؤمنين . والحزب : الصنف من الناس ، من قولهم حزبه كذا : أي نابه ، فكأن المتحزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة التي تنوب ، وحزب الرجل : أصحابه ، والحزب : الورد . وفى الحديث " فمن فاته حزبه من الليل " وتحزبوا : اجتمعوا . والأحزاب : الطوائف . وقد وقع ، ولله الحمد ما وعد الله به أولياءه وأولياء رسله وأولياء عباده المؤمنين من الغلب لعدوهم ، فإنهم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب