الشوكاني

505

فتح القدير

أي خلقني فهو الذي يثيبني على ذلك ( أفلا تعقلون ) أن أجر الناصحين إنما هو من رب العالمين ، قيل إنما قال فيما تقدم في قصة نوح : مالا ، وهنا قال : أجرا لذكر الخزائن بعده في قصة نوح ، ولفظ المال بها أليق ، ثم أرشدهم إلى الاستغفار والتوبة . والمعنى : اطلبوا مغفرته لما سلف من ذنوبكم ثم توسلوا إليه بالتوبة . وقد تقدم زيادة بيان لمثل هذا في قصة نوح ، ثم رغبهم في الإيمان بالخير العاجل ، فقال ( يرسل السماء ) أي المطر ( عليكم مدرارا ) أي كثير الدرور ، وهو منصوب على الحال ، درت السماء تدر وتدر فهي مدرار ، وكان قوم هود أهل بساتين وزرع وعمارة ، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) معطوف على يرسل : أي شدة مضافة إلى شدتكم ، أو خصبا إلى خصبكم ، أو عزا إلى عزكم . قال الزجاج : المعنى يزدكم قوة في النعم ( ولا تتولوا مجرمين ) أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه وتقيموا على الكفر مصرين عليه ، والإجرام : الآثام كما تقدم ، ثم أجابه قومه بما يدل على فرط جهالتهم ، وعظيم غباوتهم ، ف‍ ( قالوا يا يهود ما جئتنا ببينة ) أي بحجة واضحة نعمل عليها ، ونؤمن لك بها غير معترفين بما جاءهم به من حجج الله وبراهينه عنادا وبعدا عن الحق ( وما نحن بتاركي آلهتنا ) التي نعبدها من دون الله . ومعنى ( عن قولك ) صادرين عن قولك ، فالظرف في محل نصب على الحال ( وما نحن لك بمؤمنين ) أي بمصدقين في شئ مما جئت به ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) أي ما نقول إلا أنه أصابك بعض آلهتنا التي تعيبها وتسفه رأينا في عبادتها بسوء بجنون ، حتى نشأ عن جنونك ما تقوله لنا وتكرره علينا من التنفير عنها ، يقال عراه الأمر واعتراه : إذا ألم به ، فأجابهم بما يدل على عدم مبالاته بهم وعلى وثوقه بربه وتوكله عليه ، وأنهم لا يقدرون على شئ مما يريده الكفار به ، بل الله سبحانه هو الضار النافع ف‍ ( قال إني أشهد الله واشهدوا ) أنتم ( أني برئ مما تشركون ) به ( من دونه ) أي من إشراككم من دون الله من غير أن ينزل به سلطانا ( فكيدوني جميعا ) أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنها تقدر على الإضرار بي وأنها اعترتني بسوء ( ثم لا تنظرون ) أي لا تمهلوني ، بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم ، وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصك مسامعهم ، ويوضح عجزهم وعدم قدرتهم على شئ ( إني توكلت على الله ربي وربكم ) فهو يعصمني من كيدكم ، وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي كل مبلغ ، فمن توكل على الله كفاه . ثم لما بين لهم توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته وصفه بما يوجب التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم ، وأنه مالك للجميع ، وأن ناصية كل دابة من دواب الأرض بيده ، وفي قبضته وتحت قهره ، وهو تمثيل لغاية التسخير ونهاية التذليل ، وكانوا إذا أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه ، والمن عليه جزوا ناصيته فجعلوا ذلك علامة لقهره . قال الفراء : معنى آخذ بناصيتها مالكها والقادر عليها ، وقال القتيبي : قاهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته ، والناصية قصاص الشعر من مقدم الرأس ، ثم علل ما تقدم بقوله ( إن ربي على صراط مستقيم ) أي هو على الحق والعدل فلا يكاد يسلطكم علي ( فإن تولوا ) أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين ، والمعنى فإن تستمروا على الإعراض عن الإجابة والتصميم على ما أنتم عليه من الكفر ( فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ) ليس علي إلا ذلك . وقد لزمتكم الحجة ( ويستخلف ربي قوما غيركم ) جملة مستأنفة لتقرير الوعيد بالهلاك : أي يستخلف في دياركم وأموالكم قوما آخرين ، ويجوز أن يكون عطفا على فقد أبلغتكم . وروى حفص عن عاصم أنه قرأ " ويستخلف " بالجزم حملا على موضع فقد أبلغتكم ( ولا تضرونه شيئا ) أي بتوليكم ، ولا تقدرون على كثير من الضرر ولا حقير ( إن ربي على كل شئ حفيظ ) أي رقيب مهيمن عليه يحفظه من كل شئ ، قيل وعلى بمعنى اللام ، فيكون المعنى : لكل شئ حفيظ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء ( ولما جاء أمرنا ) أي عذابنا الذي