الشوكاني

5

فتح القدير

خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل . قوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) الخطاب للذين آمنوا . والبهيمة : اسم لكل ذي أربع ، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها ، ومنه باب مبهم : أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى ، وحلقة مبهمة : لا يدري أين طرفاها . والأنعام : اسم للإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك لما في مشيها من اللين ، وقيل بهيمة الأنعام : وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية وغير ذلك ، حكاه ابن جرير الطبري عن قوم ، وحكاه غيره عن السدى والربيع وقتادة والضحاك . قال ابن عطية : وهذا قول حسن ، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج ، وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له أنعام مجموعة معها ، وكأن المفترس كالأسد ، وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع ، وقيل بهيمة الأنعام : ما لم تكن صيدا ، لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة ، وقيل بهيمة الأنعام : الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام فهي تؤكل من دون ذكاة . وعلى القول الأول أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم تكون الإضافة بيانية ، ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس ، بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى - قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة - الآية ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير " فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال ، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة . قوله ( إلا ما يتلى عليكم ) استثناء من قوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال . والمتلو : هو ما نص الله على تحريمه ، نحو قوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة ) الآية ، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه ، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن ، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان ، فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ويحتمل الأمرين جميعا . قوله ( غير محلى الصيد ) ذهب البصريون إلى أن قوله ( إلا ما يتلى عليكم ) استثناء من بهيمة الأنعام وقوله ( غير محلى الصيد ) استثناء آخر منه أيضا ، فالاستثناءان جميعا من بهيمة الأنعام ، والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ، وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام ، والاستثناء الثاني هو من الاستثناء الأول ، ورد بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام ، لأنه مستثنى من المحظور فيكون مباحا ، وأجاز الفراء أن يكون ( إلا ما يتلى ) في موضع رفع على البدل ، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة وما قاربها من الأجناس . قال : وانتصاب ( غير محلى الصيد ) على الحال من قوله ( أوفوا بالعقود ) وكذا قال الأخفش ، وقال غيرهما : حال من الكاف والميم في ( لكم ) والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلى الصيد : أي الاصطياد في البر وأكل صيده . ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا وهم حرم : أي محرمون وجملة ( وأنتم حرم ) في محل نصب على الحال من الضمير في ( محلى ) ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية التي يحل أكلها كأنه قال : أحل لكم صيد البر إلا في حال الإحرام ، وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى : أحلت لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام لكونكم محتاجين إلى ذلك ، فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرم عليهم في تلك الحال . والمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو العمرة أو بهما ، وسمى محرما لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء ، وهكذا وجه تسمية الحرم حرما ، والإحرام إحراما . وقرأ الحسن والنخعي ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء وهي لغة تميمية يقولون في رسل رسل وفى كتب كتب ونحو ذلك . قوله ( إن الله يحكم ما يريد ) من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده ، فهو مالك الكل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه . قوله ( يا أيها الذين آمنوا