الشوكاني

491

فتح القدير

من أولياء ) يدفعون عنهم ما يريده الله سبحانه من عقوبتهم وإنزال بأسه بهم ، وجملة ( يضاعف لهم العذاب ) مستأنفة لبيان أن تأخير العذاب والتراخي عن تعجيله لهم ليكون عذابا مضاعفا . وقرأ ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب " يضعف " مشددا ( ما كانوا يستطيعون السمع ) أي أفرطوا في إعراضهم عن الحق وبعضهم له ، حتى كأنهم لا يقدرون على السمع ولا يقدرون على الإبصار لفرط تعاميهم عن الصواب . ويجوز أن يراد بقوله ( وما كان لهم من دون الله من أولياء ) أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله ولا ينفعهم ذلك ، فما كان هؤلاء الأولياء يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ، فكيف ينفعونهم فيجلبون لهم نفعا أو يدفعون عنهم ضررا ، ويجوز أن تكون " ما " هي المدية . والمعنى : أنه يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والبصر . قال الفراء : ما كانوا يستطيعون السمع لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ . وقال الزجاج : لبغضهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفهموا عنه . قال النحاس : هذا معروف في كلام العرب ، يقال فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان : إذا كان ثقيلا عليه ( أولئك ) المتصفون بتلك الصفات ( الذين خسروا أنفسهم ) بعبادة غير الله . والمعنى : اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله فكان خسرانهم في تجارتهم أعظم خسران ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي ذهب وضاع ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدعون أنها تشفع لهم ولم يبق بأيديهم إلا الخسران قوله ( لا جرم ) قال الخليل وسيبويه : " لا جرم " بمعنى حق فهي عندهما بمنزلة كلمة واحدة ، وبه قال الفراء . وروى عن الخليل والفراء أنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة ، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا . وقال الزجاج : إن جرم بمعنى كسب : أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران ، وفاعل كسب مضمر ، وأن منصوبة بجرم . قال الأزهري : وهذا من أحسن ما نقل في هذه اللغة . وقال الكسائي : معنى لا جرم : لا صد ولا منع عن أنهم في الآخرة هم الأخسرون . وقال جماعة من النحويين : إن معنى لا جرم لا قطع قاطع ( أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) قالوا : والجرم القطع ، وقد جرم النخل واجترمه : أي قطعه ، وفي هذه الآية بيان أنهم في الخسران قد بلغوا إلى حد يتقاصر عنه غيرهم ولا يبلغ إليه ، وهذه الآيات مقررة لما سبق من نفي المماثلة بين من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ، وبين من كان على بينة من ربه ( إن الذين آمنوا ) أي صدقوا بكل ما يجب التصديق به من كون القرآن من عند الله وغير ذلك من خصال الإيمان ( وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ) أي أنابوا إليه ، وقيل خشعوا ، وقيل خضعوا ، قيل وأصل الإخبات الاستواء في الخبث : وهو الأرض المستوية الواسعة فيناسب معنى الخشوع والاطمئنان . قال الفراء : إلى ربهم ، ولربهم واحد ( أولئك ) الموصوفون بتلك الصفات الصالحة ( أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) . قوله ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ) ضرب للفريقين مثلا وهو تشبيه فريق الكافرين بالأعمى والأصم ، وتشبيه فريق المؤمنين بالبصير والسميع ، على أن كل فريق شبه بشيئين ، أو شبه بمن جمع بين الشيئين ، فالكافر شبه بمن جمع بين العمى والصمم ، والمؤمن شبه بمن جمع بن السمع والبصر ، وعلى هذا تكون الواو في " والأصم " ، وفي " والسميع " لعطف الصفة على الصفة ، كما في قول الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام * والاستفهام في قوله ( هل يستويان ) للإنكار : يعني الفريقين ، وهذه الجملة مقررة لما تقدم من قوله ( أفمن كان على بينة من ربه ) وانتصاب مثلا على التمييز من فاعل يستويان : أي هل يستويان حالا وصفة ( أفلا تذكرون ) في عدم استوائهما وفيما بينهما من التفاوت الظاهر الذي لا يخفى على من له تذكر ، وعنده تفكر وتأمل ، والهمزة لإنكار عدم التذكر واستبعاد صدوره عن المخاطبين . وقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ( ومن أظلم ) قال : الكافر والمنافق ( أولئك يعرضون