الشوكاني
485
فتح القدير
سورة هود الآية ( 12 - 17 ) اللام في ( ولئن أذقنا الإنسان ) هي الموطئة للقسم ، والإنسان الجنس ، فيشمل المؤمن والكافر ، ويدل على ذلك الاستثناء بقوله ( إلا الذين صبروا ) وقيل المراد جنس الكفار ، ويؤيده أن اليأس والكفران والفرح والفخر هي أوصاف أهل الكفر لا أهل الإسلام في الغالب ، وقيل المراد بالإنسان الوليد بن المغيرة ، وقيل عبد الله بن أمية المخزومي : والمراد بالرحمة هنا : النعمة من توفير الرزق والصحة والسلامة من المحن ( ثم نزعناها منه ) أن سلبناه إياها ( إنه ليئوس ) أي آيس من الرحمة شديد القنوط من عودها وأمثالها ، والكفور : عظيم الكفران وهو الجحود بها قاله ابن الأعرابي ، وفي إيراد صيغتي المبالغة في ( ليؤس كفور ) ما يدل على أن الإنسان كثير اليأس ، وكثير الجحد عند أن يسلبه الله بعض نعمه فلا يرجو عودها ، ولا يشكر ما قد سلف له منها . وفي التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدنى نعمة ينعم الله بها عليه ، لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم ، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء ظهور أثر الإضرار على من أصيب به . والمعنى : أنه إن أذاق الله سبحانه العبد نعماءه من الصحة والسلامة ، والغني بعد أن كان في ضر من فقر أو مرض أو خوف ، لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله سبحانه ، بل يقول ذهب السيئات : أي المصائب التي ساءته من الضر والفقر والخوف والمرض عنه وزال أثرها غير شاكر لله ولا مثن عليه بنعمه ( إنه لفرح فخور ) أي كثير الفرح بطرا وأشرا ، كثير الفخر على الناس والتطاول عليهم بما يتفضل الله به عليه من النعم ، وفي التعبير عن ملابسة الضر له بالمس مناسبة للتعبير في جانب النعماء بالإذاقة ، فإن كلاهما لأدنى ما يطلق عليه اسم الملاقاة ، كما تقدم ( إلا الذين صبروا ) فإن عادتهم الصبر عند نزول المحن ، والشكر عند حصول المنن . قال الأخفش : هو استثناء ليس من الأول : أي ولكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة . وقال الفراء ، هو استثناء من لئن أذقناه : أي من الإنسان ، فإن الإنسان بمعنى الناس ، والناس يشمل الكافر والمؤمن ، فهو استثناء متصل ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصبر وعمل الصالحات ( لهم مغفرة ) لذنوبهم ( وأجر ) يؤجرون به لأعمالهم الحسنة ( كبير ) متناه في الكبر . ثم سلى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال ( فلعلك تارك بعض ما يوحى