الشوكاني
482
فتح القدير
وذات الصدور هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور ، وقيل هي القلوب ، والمعنى : إنه عليم بجميع الضمائر ، أو عليم بالقلوب وأحوالها في الإسرار والإظهار ، فلا يخفى عليه شئ من ذلك ، ثم أكد كونه عالما بكل المعلومات بما فيه غاية الامتنان ونهاية الإحسان فقال ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) أي الرزق الذي تحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان على اختلاف أنواعه تفضلا منه وإحسانا ، وإنما جئ به على طريق الوجوب كما تشعر به كلمة " على " اعتبارا بسبق الوعد به منه ، ومن زائدة للتأكيد ، ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق ، فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله ، والدابة كل حيوان يدب ( ويعلم مستقرها ) أي محل استقرارها في الأرض أو محل قرارها في الأصلاب ( ومستودعها ) موضعها في الأرحام ، وما يجري مجراها كالبيضة ونحوها . وقال الفراء : مستقرها حيث تأوى إليه ليلا ونهارا ، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه ، وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام ، ووجه تقدم المستقر على المستودع على قول الفراء ظاهر . وأما على القول الأول فلعل وجه ذلك أن المستقر أنسب باعتبار ما هي عليه حال كونها دابة . والمعنى : وما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله حيث كانت من أماكنها بعد كونها دابة وقبل كونها دابة ، وذلك حيث تكون في الرحم ونحوه ، ثم ختم الآية بقوله ( كل في كتاب مبين ) أي كل من ما تقدم ذكره من الدواب ومستقرها ومستودعها ورزقها في كتاب مبين ، وهو اللوح المحفوظ : أي مثبت فيه . ثم أكد دلائل قدرته بالتعرض لذكر خلق السماوات والأرض ، وكيف كان الحال قبل خلقها فقال ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) قد تقدم بيان هذا في الأعراف ، قيل والمراد بالأيام الأوقات : أي في ستة أوقات كما في قوله - ومن يولهم يومئذ دبره - وقيل مقدار ستة أيام ، ولا يستقيم أن يكون المراد بالأيام هنا الأيام هنا الأيام المعروفة ، وهي المقابلة لليالي ، لأنه لم يكن حينئذ لا أرض ولا سماء وليس اليوم إلا عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض ، وكان خلق السماوات في يومين والأرضين في يومين وما عليهما من أنواع الحيوان والنبات والجماد في يومين كما سيأتي في حم السجدة . قوله ( وكان عرشه على الماء ) أي كان قبل خلقهما عرشه على الماء ، وفيه بيان تقدم خلق العرش والماء على السماوات والأرضين . قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) اللام متعلقة بخلق : أي خلق هذه المخلوقات ليبتلي عباده بالاعتبار والتفكر والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث والجزاء أيهم أحسن عملا فيما أمر به ونهى عنه ، فيجازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، ويوفر الجزاء لمن كان أحسن عملا من غيره ، ويدخل في العمل الاعتقاد ، لأنه من أعمال القلب ، وقيل المراد بالأحسن عملا الأتم عقلا ، وقيل الأزهد في الدنيا ، وقيل الأكثر شكرا ، وقيل الأتقى لله . قوله ( ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك بذكره ، والمعنى : لئن قلت لهم يا محمد على ما توجبه قضية الابتلاء إنكم مبعوثون من بعد الموت فيجازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، ليقولن الذين كفروا من الناس إن هذا الذي تقوله يا محمد إلا باطل كبطلان السحر وخدع كخدعه . ويجوز أن تكون الإشارة بهذا إلى القرآن ، لأنه المشتمل على الإخبار بالبعث . وقرأ حمزة والكسائي ( إن هذا إلا ساحر ) يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكسرت إن من قوله ( إنكم ) لأنها بعد القول . وحكى سيبويه الفتح على تضمين قلت معنى ذكرت ، أو على أن بمعنى عل : أي ولئن قلت لعلكم مبعوثون ، على أن الرجاء باعتبار حال المخاطبين : أي توقعوا ذلك ولا تبتوا القول بإنكاره ( ولئن أخرنا عنهم العذاب ) أي الذي تقدم ذكره في قوله ( عذاب يوم كبير ) وقيل عذاب يوم القيامة وما بعده ، وقيل يوم بدر ( إلى أمة معدودة ) أي إلى طائفة من الأيام قليلة ، لأن ما يحصره العد قليل ،