الشوكاني

477

فتح القدير

يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب ، وهم يكذبونهم ويصممون على الكفر حتى ينزل الله عليهم عذابه ويحل بهم انتقامه ، ثم قال ( قل ) يا محمد لهؤلاء الكفار المعاصرين لك ( فانتظروا ) أي تربصوا لوعد ربكم إني معكم من المتربصين لوعد ربي ، وفي هذا تهديد شديد ، ووعيد بالغ بأنه سينزل بهؤلاء ما نزل بأولئك من الإهلاك ، وثم في قوله ( ثم ننجي رسلنا ) للعطف على مقدر يدل عليه ما قبله كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلين إليهم . وقرأ يعقوب ثم " ننجي " مخففا . وقرأ كذلك أيضا في ( حقا علينا ننج المؤمنين ) . وروى كذلك عن الكسائي وحفص في الثانية . وقرأ الباقون بالتشديد ، وهما لغتان فصيحتان : أنجى ينجي إنجاء ، ونجى ينجى تنجية بمعنى واحد ( والذين آمنوا ) معطوف على رسلنا : أي نجيناهم ونجينا الذين آمنوا ، والتعبير بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار صورة الحال الماضية تهويلا لأمرها ( كذلك حقا علينا ) أي حق ذلك علينا حقا ، أو إنجاء مثل ذلك الانجاء حقا ( ننج المؤمنين ) من عذابنا للكفار ، والمراد بالمؤمنين : الجنس ، فيدخل في ذلك الرسل وأتباعهم ، أو يكون خاصا بالمؤمنين وهم أتباع الرسل ، لأن الرسل داخلون في ذلك بالأولى . قوله ( قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) أمر سبحانه رسوله بأن يظهر التباين بين طريقته وطريقة المشركين مخاطبا لجميع الناس ، أو للكفار منهم ، أو لأهل مكة على الخصوص بقوله : إن كنتم في شك من ديني الذي أنا عليه ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، ولم تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته ، وأنه الدين الحق الذي لا دين غيره ، فاعلموا أني برئ من أديانكم التي أنتم عليها ( فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) في حال من الأحوال ( ولكن أعبد الله الذين يتوفاكم ) أي أخصه بالعبادة لا أعبد غيره من معبوداتكم من الأصنام وغيرها ، وخص صفة المتوفى من بين الصفات لما في ذلك من التهديد لهم : أي أعبد الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد ، ولكونه يدل على الخلق أولا ، وعلى الإعادة ثانيا ، ولكونه أشد الأحوال مهابة في القلوب ، ولكونه قد تقدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة ، فكأنه قال : أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم . ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان فقال ( وأمرت أن أكون من المؤمنين ) أي بأن أكون من جنس من آمن بالله وأخلص له الدين ، وجملة ( وأن أقم وجهك للدين ) معطوفة على جملة ( أن أكون من المؤمنين ) ولا يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر لأن المقصود من " أن " الدلالة على المصدر ، وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية ، أو يكون المعطوف عليه في معنى الإنشاء ، كأنه قيل : كن مؤمنا ثم أقم ، والمعنى : أن الله سبحانه أمره بالاستقامة في الدين والثبات فيه ، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال . وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء ، أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة وعدم التحول عنها . وحنيفا حال من الدين ، أو من الوجه : أي مائلا عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام ، ثم أكد الأمر المتقدم للنهي عن ضده فقال ( ولا تكونن من المشركين ) وهو معطوف على أقم ، وهو من باب التعريض لغيره صلى الله عليه وآله وسلم . قوله ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) معطوف على - قل يا أيها الناس - غير داخل تحت الأمر ، وقيل معطوف على " ولا تكونن " أي لا تدع من دون الله على حال من الأحوال ما لا ينفعك ولا يضرك بشئ من النفع والضر إن دعوته ، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعا ، ولا يقدر على ضر ضائع لا يفعله عاقل على تقدير أنه لا يوجد من يقدر على النفع والضر غيره ، فكيف إذا كان موجودا ؟ فإن العدول عن دعاء القادر إلى دعاء غير القادر أقبح وأقبح ( فإن فعلت ) أي فإن دعوت ، ولكنه كنى عن القول بالفعل ( فإنك إذا من الظالمين ) هذا جزاء الشرط : أي فإن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإنك في عداد الظالمين لأنفسهم ، والمقصود من هذا الخطاب التعريض بغيره صلى الله عليه وآله وسلم ، وجملة ( وإن