الشوكاني

462

فتح القدير

أي شق عليكم مكثي بين أظهركم . ويجوز أن يراد بالمقام القيام ، لأن الواعظ يقوم حال وعظه ، والمعنى : إن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم ، وكبر عليكم تذكيري لكم ( بآيات الله ) التكوينية والتنزيلية ( فعلى الله توكلت ) هذه الجملة جواب الشرط ، والمعنى : إني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله ، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديما وحديثا . ويجوز أن يريد إحداث مرتبة مخصوصة عن مراتب التوكل ، ويجوز أن يكون جواب الشرط ( فأجمعوا ) وجملة ( فعلى الله توكلت ) اعتراض كقولك : إن كنت أنكرت علي شيئا فالله حسبي . ومعنى ( فأجمعوا أمركم ) اعتزموا عليه ، من أجمع الأمر : إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء : وروى عن الفراء أنه قال : أجمع الشئ : أعده . وقال مؤرج السدوسي : أجمع الأمر أفصح من أجمع عليه ، وأنشد : يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع وقال أبو الهيثم : أجمع أمره : جعله جميعا بعد ما كان متفرقا ، وتفرقه أن تقول مرة أفعل كذا ، ومرة أفعل كذا ، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه : أي جعله جميعا ، فهذا هو الأصل في الإجماع ، ثم صار بمعنى العزم . وقد اتفق جمهور القراء على نصب " شركاءكم " وقطع الهمزة من أجمعوا . وقرأ يعقوب وعاصم الجحدري بهمزة وصل في أجمعوا على أنه من جمع يجمع جمعا . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب " وشركاؤكم " بالرفع . قال النحاس : وفي نصب الشركاء على قراءة الجمهور ثلاثة أوجه : الأول بمعنى وادعوا شركاءكم ، قاله الكسائي والفراء : أي ادعوهم لنصرتكم ، فهو على هذا منصوب بفعل مضمر . وقال محمد بن يزيد المبرد : هو معطوف على المعنى كما قال الشاعر : يا ليت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا والرمح لا يتقلد به ، لكنه محمول كالسيف . وقال الزجاج : المعنى مع شركائكم ، فالواو على هذا واو مع . وأما على قراءة اجمعوا بهمزة وصل فالعطف ظاهر : أي اجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم . وأما توجيه قراءة الرفع ، فعلى عطف الشركاء على الضمير المرفوع في أجمعوا ، وحسن هذا العطف مع عدم التأكيد بمنفصل كما هو المعتبر في ذلك أن الكلام قد طال . قال النحاس وغيره : وهذه القراءة بعيده لأنه لو كان شركاءكم مرفوعا لرسم في المصحف بالواو ، وليس ذلك موجودا فيه . قال المهدوي : ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء ، والخبر محذوف : أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم ، ونسبة ذلك إلى الشركاء مع كون الأصنام لا تعقل لقصد التوبيخ والتقريع لمن عبدها . وروى عن أبي أنه قرأ : " وادعوا شركاءكم " بإظهار الفعل . قوله ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) الغمة : التغطية من قولهم ، غم الهلال : إذا استتر : أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا . قال طرفة : لعمرك ما أمري علي بغمة * نهاري ولا ليلى علي بسرمد هكذا قال الزجاج . وقال الهيثم : معناه لا يكن أمركم عليكم مبهما - وقيل إن الغمة : ضيق الأمر كذا روى عن أبي عبيدة . والمعنى : لا يكن أمركم عليكم بمصاحبتي والمجاملة لي ضيقا شديدا ، بل ادفعوا هذا الضيق والشدة بما شئتم وقدرتم عليه ، وعلى الوجهين الأولين يكون المراد بالأمر الثاني هو الأمر الأول ، وعلى الثالث يكون المراد به غيره . قوله ( ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) أي ذلك الأمر الذي تريدونه بي ، وأصل اقضوا من القضاء ، وهو الإحكام . والمعنى : أحكموا ذلك الأمر . قال الأخفش والكسائي : هو مثل - وقضينا إليه ذلك الأمر - أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه ، ثم لا تنظرون : أي لا تمهلون ، بل عجلوا أمركم واصنعوا ما بدا لكم ، وقيل معناه : ثم امضوا