الشوكاني
454
فتح القدير
والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم ، ويدخل في ذلك ما في القرآن منهما دخولا أوليا ، وأصل الكلام : قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ، ثم حذف هذا الفعل لدلالة الثاني في قوله ( فبذلك فليفرحوا ) عليه ، قيل والفاء في هذا الفعل المحذوف داخله في جواب شرط مقدر كأنه قيل : إن فرحوا بشئ فليخصوا فضل الله ورحمته بالفرح . وتكرير الباء في برحمته للدلالة على أن كل واحد من الفضل والرحمة سبب مستقل في الفرح ، والفرح : هو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب ، وقد ذم الله سبحانه الفرح في مواطن كقوله - لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين - وجوزه في قوله - فرحين بما آتاهم الله من فضله - وكما في هذه الآية ، ويجوز أن تتعلق الباء في " بفضل الله وبرحمته " بقوله ( جاءتكم ) ، والتقدير : جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك : أي فبمجيئها فليفرحوا ، وقرأ يزيد بن القعقاع ويعقوب " فلتفرحوا " بالفوقية ، وقرأ الجمهور بالتحتية ، والضمير في " هو خير " راجع إلى المذكور من الفضل والرحمة ، أو إلى المجئ على الوجه الثاني ، أو إلى اسم الإشارة في قوله ( فبذلك ) والمعنى : أن هذا خير لهم مما يجمعونه من خطام الدنيا . وقد قرئ بالتاء الفوقية في ( يجمعون ) مطابقة للقراءة بها في ( فلتفرحوا ) . وقد تقرر في العربية أن لام الأمر تحذف مع الخطاب إلا في لغة قليلة جاءت هذه القراءة عليها ، وقرأ الجمهور بالمثناة التحتية في يجمعون كما قرأوا في فليفرحوا . وروى عن ابن عامر أنه قرأ بالفوقية في يجمعون ، والتحتية في فلتفرحوا . وقد أخرج الطبراني وأبو الشيخ عن أبي الأحوص قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إن أخي يشتكي بطنه ، فوصف له الخمر ، فقال : سبحان الله ! ما جعل الله في رجس شفاء ، إنما الشفاء في شئ من القرآن والعسل ، فهما شفاء لما في الصدور وشفاء للناس . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال " إن الله جعل القرآن شفاء لما في الصدور ، ولم يجعله شفاء لأمراضكم " . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إني أشتكي صدري ، فقال : اقرأ القرآن ، يقول الله : شفاء لما في الصدور " . وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجع حلقه قال : " عليك بقراءة القرآن والعسل ، فالقرآن شفاء لما في الصدور ، والعسل شفاء من كل داء " . وأخرج أبو داود والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتاء يعني الفوقية ، وقد روى نحو هذا من غير هذه الطريق . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( قل بفضل الله وبرحمته ) قال : بفضل الله القرآن ، وبرحمته أن جعلكم من أهله . وأخرج الطبراني في الأوسط عن البراء مثله من قوله . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري مثله . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال : بكتاب الله وبالإسلام . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عنه قال : فضله الإسلام ، ورحمته القرآن . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عنه أيضا قال : بفضل الله القرآن ، وبرحمته حين جعلهم من أهله . وقد روى عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدمة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس هو خير مما يجمعون من الأموال والحرث والأنعام . سورة يونس الآية ( 59 )