الشوكاني
438
فتح القدير
على وزن اسوادت ، وفي رواية المقدمي " وازانت " والأصل فيه تزاينت على وزن تفاعلت . وقرأ الشعبي وقتادة " أزينت " ، ومعنى هذه القراءات كلها هو ما ذكرنا ( وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها ، والضمير في عليها للأرض ، والمراد النبات الذي هو عليها ( أتاها أمرنا ) جواب إذا ، أي جاءها أمرنا بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات ( فجعلناها حصيدا ) أي جعلنا زرعها شبيها بالمحصود في قطعه من أصوله . قال أبو عبيدة : الحصيد المستأصل ( كأن لم تغن بالأمس ) أي كأن لم يكن زرعها موجودا فيها بالأمس مخضرا طريا ، من غنى بالمكان بالكسر يغني بالفتح إذا أقام به ، والمراد بالأمس الوقت القريب ، والمغاني في اللغة المنازل . وقال قتادة : كأن لم تنعم ، قال لبيد : غنيت سنينا قبل مجرى داحس * لو كان للنفس اللجوج خلود وقرأ قتادة ( كأن لم يغن ) بالتحتية بإرجاع الضمير إلى الزخرف . وقرأ من عداه ( تغن ) بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الأرض ( كذلك ) أي مثل ذلك التفصيل البديع ( نفصل الآيات ) القرآنية التي من جملتها هذه الآية ( لعلهم يتفكرون ) فيما اشتملت عليه ، ويجوز أن يراد الآيات التكوينية . قوله ( والله يدعو إلى دار السلام ) لما نفر عباده عن الميل إلى الدنيا بما ضربه لهم من المثل السابق رغبهم في الدار الآخرة بإخبارهم بهذه الدعوة منه عز وجل إلى دار السلام ، قال الحسن وقتادة : السلام هو الله تعالى ، وداره الجنة . وقال الزجاج : المعنى والله يدعو إلى دار السلامة . ومعنى السلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة ، ومنه قول الشاعر : تحيى بالسلامة أم بكر * وهل لك بعد قومك من سلام وقيل أراد دار السلام الذي هو التحية ، لأن أهلها ينالون من الله السلام بمعنى التحية كما في قوله - تحيتهم فيها سلام - ، وقيل السلام اسم لأحد الجنان السبع : أحدها دار السلام ، والثانية دار الجلال ، والثالثة جنة عدن ، والرابعة جنة المأوى ، والخامسة جنة الخلد ، والسادسة جنة الفردوس ، والسابعة جنة النعيم . وقيل المراد دار السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة ، وقد اتفقوا على أن دار السلام هي الجنة ، وإنما اختلفوا في سبب التسمية بدار السلام ( ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ) جعل سبحانه الدعوة إلى دار السلام عامة ، والهداية خاصة بمن يشاء أن يهديه تكميلا للحجة وإظهارا للاستغناء عن خلقه ، ثم قسم سبحانه أهل الدعوة إلى قسمين ، وبين حال كل طائفة فقال ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) أي الذين أحسنوا بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الأعمال والكف عما نهاهم عنه من المعاصي ، والمراد بالحسنى المثوبة الحسنى . قال ابن الأنباري : العرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها ، ولذلك ترك موصوفها ، وقيل المراد بالحسنى الجنة ، وأما الزيادة فقيل المراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله - ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله - وقيل الزيادة النظر إلى وجهه الكريم ، وقيل الزيادة هي مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها ، وقيل الزيادة غرفة من لؤلؤ ، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان ، وقيل هي أنه سبحانه يعطيهم في الدنيا من فضله ما لا يحاسبهم عليه ، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في ذكره ، وسيأتي بيان ما هو الحق في آخر البحث ( ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ) معنى يرهق يلحق ، ومنه قيل : غلام مراهق إذا لحق بالرجال ، وقيل يعلو ، وقيل يغشى ، والمعنى متقارب ، والقتر : الغبار ، ومنه قول الفرزدق متوج برداء الملك يتبعه * موج ترى فوقه الرايات والقترا وقرأ الحسن " قتر " بإسكان المثناة ، والمعنى واحد ، قاله النحاس ، وواحد القتر قترة ، والذلة : ما يظهر على