الشوكاني
435
فتح القدير
بهم - أي غلب على ظنونهم الهلاك ، وأصله من إحاطة العدو بقوم أو ببلد ، فجعل هذه الإحاطة مثلا في الهلاك وإن كان بغير العدو كما هنا ، وجواب إذا في قوله ( إذا كنتم في الفلك ) قوله ( جاءتها ) إلى آخره ويكون قوله ( دعوا الله ) بدلا من ظنوا لكون هذا الدعاء الواقع منهم إنما كان عند ظن الهلاك وهو الباعث عليه ، فكان بدلا منه بدل اشتمال لاشتماله عليه ، ويمكن أن يكون جملة دعوا مستأنفة كأنه قيل : ماذا صنعوا ؟ فقيل دعوا الله ، وفي قوله ( وجرين بهم ) التفات من الخطاب إلى الغيبة ، جعل الفائدة فيه صاحب الكشاف المبالغة . وقال الرازي : الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذا المقام دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله - إياك نعبد - دليل الرضا والتقريب ، وانتصاب مخلصين على الحال : أي لم يشوبوا دعاءهم بشئ من الشوائب كما جرت عادتهم في غير هذا الموطن أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء ، وليس هذا لأجل الإيمان بالله وحده ، بل لأجل أن ينجيهم مما شارفوه من الهلاك لعلمهم أنه لا ينجيهم سوى الله سبحانه . وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد ، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا . وفى هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما يشابهها ، فيا عجبا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات ؟ فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ولم يخلصوا الدعاء لله كما فعله المشركون كما تواتر ذلك إلينا تواترا يحصل به القطع ، فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية وأين وصل بها أهلها ، وإلى أين رمى بهم الشيطان ، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم ؟ حتى انقادوا له انقيادا ما كان يطمع في مثله ولا في بعضه من عباد الأوثان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، واللام في ( لئن أنجيتنا من هذه ) هي اللام الموطئة للقسم : أي قائلين ذلك ، والإشارة بقوله ( من هذه ) إلى ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر ، واللام في ( لنكونن ) جواب القسم : أي لنكونن في كل حال ممن يشكر نعمك التي أنعمت بها علينا ، منها هذه النعمة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا وتنجينا منها ، وقيل إن هذه الجملة مفعول دعوا ( فلما نجاهم ) الله من هذه المحنة التي وقعوا فيها ، وأجاب دعاءهم لم يفوا بما وعدوا من أنفسهم ، بل فعلوا فعل الجاحدين لا فعل الشاكرين ، وجعلوا البغي في الأرض بغير الحق مكان الشكر . وإذا في ( إذا هم يبغون ) هي الفجائية : أي فاجئوا البغي في الأرض بغير الحق ، والبغي : هو الفساد ، من قولهم بغى الجرح : إذا ترامى في الفساد ، وزيادة في الأرض للدلالة على أن فسادهم هذا شامل لأقطار الأرض ، والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق ، بل لا يكون إلا بالباطل ، لكن زيادة بغير الحق إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك بغير شبهة عندهم ، بل تمردا وعنادا ، لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع كونها باطلة . قوله ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) لما ذكر سبحانه أن هؤلاء المتقدم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته . قرأ ابن إسحاق وحفص والمفضل بنصب متاع ، وقرأ الباقون بالرفع . فمن قرأ بالنصب جعل ما قبله جملة تامة : أي بغيكم وبال على أنفسكم ، فيكون بغيكم مبتدأ وعلى أنفسكم خبره ، ويكون متاع في موضع المصدر المؤكد ، كأنه قيل : تتمتعون متاع الحياة الدنيا ، ويكون المصدر مع الفعل المقدر استئنافا ، وقيل إن متاع على قراءة النصب ظرف زمان نحو مقدم الحاج : أي زمن متاع الحياة الدنيا ، وقيل هو مفعول له : أي لأجل متاع الحياة الدنيا ، وقيل منصوب بنزع الخافض : أي كمتاع ، وقيل على الحال على أنه مصدر بمعنى المفعول : أي ممتعين ، وقد نوقش غالب هذه الأقوال في توجيه النصب . وأما من قرأ برفع متاع فجعله خبر المبتدأ : أي بغيكم متاع الحياة الدنيا ، ويكون على أنفسكم متعلق بالمصدر ، والتقدير : إنما بغيكم على