الشوكاني
410
فتح القدير
قوله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) يعني بالجنة ، ثم قال ( التائبون ) إلى قوله ( والحافظون لحدود الله ) يعني القائمين على طاعة الله ، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد ، وإذا وفوا لله بشرطه وفي لهم بشرطهم . سورة براءة الآية ( 113 - 114 ) لما بين الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيدا ، وصرح بأن ذلك متحتم ، ولو كانوا أولى قربى ، وأن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها . وقد ذكر أهل التفسير أن " ما كان " في القرآن يأتي على وجهين : الأول على النفي نحو - ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله - ، والآخر على معنى النهي نحو - ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله - و ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار ، وتحريم الاستغفار لهم ، والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرا ، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار للمشركين ، وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول ، فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة ، وسيأتي ، فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله ، قال : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه ، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبر عنه بأنه قال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . قوله ( من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار ، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا ، وعدم الاعتداء بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك ، وقد قال سبحانه - إن الله لا يغفر أن يشرك به - فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده . قوله ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ) الآية : ذكر الله سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له ، ولكنه ترك ذلك وتبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله ، وأنه غير مستحق للاستغفار ، وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار ، ومن أعداء الله ، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين أنه كيف خفى ذلك على إبراهيم فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصر على الكفر ومات عليه ، وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدو الله ، فإن ثبوت هذه العداوة تدل على الكفر ، وكذلك لم يعلم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية ، وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل . وقيل المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى الإسلام ، وهو ضعيف جدا . وقيل المراد بالاستغفار في هذه الآية النهي عن الصلاة على جنائز الكفار ، فهو كقوله - ولا تصل على أحد منهم مات أبدا - ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجئ إلى ذلك ثم ختم الله سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم ، فقال ( إن إبراهيم لأواه ) وهو كثير التأوه كما تدل على ذلك صيغة المبالغة .