الشوكاني
403
فتح القدير
و ( ضرارا ) منصوب على المصدرية ، أو على العلية ( وكفرا وتفريقا وإرصادا ) معطوفة على ( ضرارا ) . فقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا المسجد أمور أربعة : الأول الضرار لغيرهم ، وهو المضاررة . الثاني الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام ، لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق . الثالث التفريق بين المؤمنين ، لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى . الرابع الإرصاد لمن حارب الله ورسوله : أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله . قال الزجاج : الإرصاد الانتظار . وقال ابن قتيبة : الإرصاد الانتظار مع العداوة . وقال الأكثرون : هو الإعداد ، والمعنى متقارب ، يقال أرصدت لكذا : إذا أعددته مرتقبا له به . وقال أبو زيد : يقال رصدته وأرصدته في الخير ، وأرصدت له في الشر . وقال ابن الأعرابي : لا يقال إلا أرصدت ومعناه ارتقبت ، والمراد بمن حارب الله ورسوله : المنافقون ، ومنهم أبو عامر الراهب : أي أعدوه لهؤلاء وارتقبوا به وصولهم وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنين ، وقوله ( من قبل ) متعلق باتخذوا : أي اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار ، أو متعلق بحارب : أي لمن وقع منه الحرب لله ولرسوله من قبل بناء مسجد الضرار . قوله ( وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) أي ما أردنا إلا الخصلة الحسنى ، وهي الرفق بالمسلمين ، فرد الله عليهم بقوله ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) فيما حلفوا عليه ، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار ، فقال ( لا تقم فيه أبدا ) أي في وقت من الأوقات ، والنهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه . وقد يعبر عن الصلاة بالقيام ، يقال فلان يقوم الليل : أي يصلي ، ومنه الحديث الصحيح " من قام رمضان إيمانا به واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " . ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام فيه بقوله ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) واللام في ( لمسجد ) لام القسم ، وقيل لام الابتداء ، وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة ، وتأسيس البناء : تثبيته ورفعه . ومعنى تأسيسه على التقوى : تأسيسه على الخصال التي تتقي بها العقوبة . واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقالت طائفة : هو مسجد قباء كما روى عن ابن عباس والضحاك والحسن والشعبي وغيرهم . وذهب آخرون إلى أنه مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم . والأول أرجح لما سيأتي قريبا إن شاء الله ، و ( من أول يوم ) متعلق بأسس : أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه . قال بعض النحاة : إن ( من ) هنا بمعنى منذ : أي منذ أول يوم ابتدئ ببنائه ، وقوله ( أحق أن تقوم فيه ) خبر المبتدأ . والمعنى : لو كان القيام في غيره جائزا لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ولذكر الله ، لكونه أسس على التقوى من أول يوم ، ولكون ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) وهذه الجملة مستأنفة لبيان أحقية قيامه صلى الله عليه وآله وسلم فيه : أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل فهو أولى من جهة الحال فيه ، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال : أي حال كون فيه رجال يحبون أن يتطهروا ، ويجوز أن تكون صفة أخرى لمسجد . ومعنى محبتهم للتطهر : أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه ، وقيل معناه : يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار . والأول أولى . وقيل يحبون أن يتطهروا بالحمى المطهرة من الذنوب فحموا جميعا ، وهذا ضعيف جدا . ومعنى محبة الله لهم الرضا عنهم ، والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه . ثم بين سبحانه أن بين الفريقين بونا بعيدا . فقال ( أفمن أسس بنيانه ) والهمزة للإنكار التقريري ، والبنيان مصدر كالعمران ، وأريد به المبنى ، والجملة مستأنفة . والمعنى : أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة ، وهي تقوى الله ورضوانه خير ممن أسس دينه على ضد ذلك ، وهو الباطل والنفاق ، والموصول مبتدأ ، وخبره خير ، وقرئ " أسس بنيانه " على