الشوكاني

401

فتح القدير

زياد قال : قلت لمحمد بن كعب القرظي : أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما أريد الفتن ، قال : إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم ، قلت له : وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه ؟ قال : ألا تقرؤون قوله تعالى ( والسابقون الأولون ) الآية أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة والرضوان ، وشرط على التابعين شرطا لم يشرطه فيهم - قلت : وما اشترط عليهم ؟ قال : اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان . يقول : يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة ، ولا يقتدون بهم في غير ذلك . قال أبو صخر : فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي بن كعب . وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي قال : حدثني يحيى بن أبي كثير والقسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقولون لما أنزلت هذه الآية ( والسابقون الأولون ) إلى قوله ( ورضوا عنه ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا لأمتي كلهم ، وليس بعد الرضا سخط . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ابن عباس في قوله ( وممن حولكم من الأعراب ) الآية ، قال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم جمعة خطيبا ، فقال : قم يا فلان فأخرج فإنك منافق ، اخرج يا فلان فإنك منافق ، فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ، ولم يكن عمر بن الخطاب يشهد تلك الجمعة لحاجة كانت له . فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة ، وظن الناس قد انصرفوا ، واختبئوا هم من عمر ، وظنوا أنه قد علم بأمرهم ، فدخل عمر المسجد فإذا الناس لم ينصرفوا ، فقال له رجل : أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم ، فهو العذاب الأول ، والعذاب الثاني عذاب القبر . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله ( وممن حولكم من الأعراب ) قال جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ( مردوا على النفاق ) قال : أقاموا عليه ولم يتوبوا كما تاب آخرون . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال : ماتوا عليه : عبد الله بن أبي ، وأبو عامر الراهب ، والجد بن قيس . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( سنعذبهم مرتين ) قال : بالجوع والقتل . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك قال : بالجوع وعذاب القبر . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن قتادة قال : عذاب في القبر ، وعذاب في النار . وقد روى عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين ، والظاهر ما قدمنا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ) قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ، فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد ، وكان ممر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رجع عليهم فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم ؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم ، قال : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم ، ورغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ، فلما بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا ، فنزلت ( عسى الله أن يتوب عليهم ) وعسى من الله واجب ، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأطلقهم وعذرهم ، فجاءوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا ، قال : ما أمرت أن آخذ أموالكم ، فأنزل الله عز وجل ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ) يقول : استغفر لهم ) إن صلواتك سكن لهم ) يقول : رحمة لهم ، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم ، وكانوا ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم