الشوكاني

390

فتح القدير

في قوم ، وهذه في آخرين ، وقيل هذه في اليهود ، والأولى في المنافقين ، وقيل غير ذلك . وقد تقدم في الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية ، ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين ، فقال ( وإذا أنزلت سورة ) أي من القرآن ، ويجوز أن يراد بعض السورة ، وأن يراد تمامها ، وقيل هي هذه السورة : أي سورة براءة ، و " أن " في " أن آمنوا بالله " مفسرة لما في الإنزال من معنى القول ، أو مصدرية حذف منها الجار : أي بأن آمنوا ، وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان ( استأذنك أولوا الطول منهم ) أي ذوو الفضل والسعة ، من طال عليه طولا ، كذا قال ابن عباس والحسن ، وقال الأصم : الرؤساء والكبراء المنظور إليهم ، وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم ، إذ لا عذر لهم في القعود ( وقالوا ذرنا ) أي اتركنا ( نكن من القاعدين ) أي المتخلفين عن الغزو من المعذورين كالضعفاء والزمني ، والخوالف : النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت ، جمع خالفة ، وجوز بعضهم أن يكون جمع خالف ، وهو من لا خير فيه ( وطبع على قلوبهم ) هو كقوله - ختم الله على قلوبهم - وقد مر تفسيره ( فهم لا يفقهون ) شيئا مما فيه نفعهم وضرهم ، بل هم كالأنعام . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبي ابن سلول أتى ابنه عبد الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال عمر فأخذ ثوبه فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين ؟ فقال : إن ربي خيرني وقال - استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم - وسأزيد على السبعين ، فقال : إنه منافق ، فصلى عليه فأنزل الله ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) الآية ، فترك الصلاة عليهم . وأخرج ابن ماجة والبزار وابن جرير وابن مردويه عن جابر قال : مات رأس المنافقين بالمدينة فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يكفنه في قميصه ، فجاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إن أبي أوصى أن يكفن في قميصك ، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره ، فأنزل الله ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( أولوا الطول ) قال : أهل الغنى . وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) قال : مع النساء . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : الخوالف النساء . سورة براءة الآية ( 88 - 89 ) المقصود من الاستدراك بقوله ( لكن الرسول ) إلى آخره الإشعار بأن تخلف هؤلاء عير ضائر ، فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو خير منهم وأخلص نية كما في قوله - فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين - . وقد تقدم بيان الجهاد بالأموال والأنفس ، ثم ذكر منافع الجهاد فقال ( وأولئك لهم الخيرات ) وهي جمع خير فيشمل منافع الدنيا والدين ، وقيل المراد به : النساء الحسان كقوله تعالى - فيهن خيرات حسان - ومفرده