الشوكاني

385

فتح القدير

يوم يلقونه ) الفاعل هو الله سبحانه : أي فأعقبهم الله بسبب البخل الذي وقع منهم والإعراض نفاقا كائنا في قلوبهم ، متمكنا منها ، مستمرا فيها ( إلى يوم يلقون ) الله عز وجل ، وقيل إن الضمير يرجع إلى البخل : أي فأعقبهم البخل بما عاهدوا الله عليه نفاقا كائنا في قلوبهم إلى يوم يلقون بخلهم : أي جزاء بخلهم . ومعنى ( فأعقبهم ) أن الله سبحانه جعل النفاق المتمكن في قلوبهم إلى تلك الغاية عاقبة ما وقع منهم من البخل ، والباء في ( بما أخلفوا الله ما وعدوه ) للسببية : أي بسبب إخلافهم لما وعدوه من التصدق والصلاح ، وكذلك الباء في ( وبما كانوا يكذبون ) أي وبسبب تكذيبهم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أنكر عليهم فقال ( ألم يعلموا ) أي المنافقون ، وقرئ بالفوقية خطايا للمؤمنين ( أن الله يعلم سرهم ونجواهم ) أي جميع ما يسرونه من النفاق وجميع ما يتناجون به فيما بينهم من الطعن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أصحابه ، وعلى دين الإسلام ( وأن الله علام الغيوب ) فلا يخفى عليه شئ من الأشياء المغيبة كائنا ما كان ، ومن جملة ذلك ما يصدر عن المنافقين . قوله ( الذين يلمزون المطوعين ) الموصول محله النصب ، أو الرفع على الذم ، أو الجر بدلا من الضمير في سرهم ونجواهم ومعنى ( يلمزون ) يعيبون . وقد تقدم تحقيقه ، والمطوعين : أي المتطوعين ، والتطوع : التبرع . والمعنى : أن المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوعوا بشئ من أموالهم وأخرجوه للصدقة فكانوا يقولون : ما أغنى الله عن هذا ، ويقولون : ما فعلوا هذا إلا رياء ، ولم يكن لله خالصا ، و ( في الصدقات ) متعلق بيلمزون : أي يعيبونهم في شأنها . قوله ( والذين لا يجدون إلا جهدهم ) معطوف على المطوعين : أي يلمزون المتطوعين ، ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم ، وقيل معطوف على المؤمنين : أي يلمزون المتطوعين من المؤمنين ، ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم ، وقرئ " جهدهم " بفتح الجيم ، والجهد بالضم الطاقة ، وبالفتح المشقة ، وقيل هما لغتان ومعناهما واحد وقد تقدم بيان ذلك . والمعنى : أن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل عن كفايتهم . قوله ( فيسخرون منهم ) معطوف على يلمزون : أي يستهزءون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقل وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه . قوله ( سخر الله منهم ) أي جازاهم على ما فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك فسخر الله منهم بأن أهانهم وأذلهم وعذبهم ، والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره ، وقيل هو دعاء عليهم بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمسلمين ( ولهم عذاب أليم ) أي ثابت مستمر شديد الألم . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والبارودي وأبو نعيم وابن مردويه وابن عساكر أبي أمامة الباهلي قال : جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ، قال : ويلك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ، قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ، قال : ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي ، فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي ذهبا لسارت ، فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، قال : ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه ، قال : يا رسول الله ادع الله تعالى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم ارزقه مالا ، قال : فاتخذ غنما فنمت كما تنمو الدود حتى ضاقت بها المدينة ، فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يشهدها بالليل ، ثم نمت كما تنمو الدود فضاق بها ، فمكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم نمت كما تنمو الدود فضاق بها مكانه ، فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار ،