الشوكاني

379

فتح القدير

سورة براءة الآية ( 69 - 70 ) قوله ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين ، وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم ، وأنهم متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان ، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين ، ورد لقولهم ويحلفون بالله إنهم لمنكم - ، ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم لحال المنافقين فقال : ( يأمرون بالمنكر ) وهو كل قبيح عقلا أو شرعا ( وينهون عن المعروف ) وهو كل حسن عقلا أو شرعا قال الزجاج : هذا متصل بقوله - ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم - أي ليسوا من المؤمنين ، ولكن بعضهم من بعض : أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ( ويقبضون أيديهم ) أي يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة والصلة والجهاد فالقبض كناية عن الشح ، كما أن البسط كناية عن الكرم . والنسيان الترك : أي تركوا ما أمرهم به ، فتركهم من رحمته وفضله ، لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه ، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان ، ثم حكم عليهم بالفسق : أي الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه ، وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق . ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر بأنه ( نار جهنم ) و ( خالدين فيها ) حال مقدرة : أي مقدرين الخلود ، وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر كما يقال في الخير ( هي حسبهم ) أي كافيتهم لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها ، ( و ) مع ذلك فقد ( لعنهم الله ) أي طردهم وأبعدهم من رحمته ( ولهم عذاب مقيم ) أي نوع آخر من العذاب دائم لا ينفك عنهم . قوله ( كالذين من قبلكم ) شبه حال المنافقين بالكفار الذين كانوا من قبلهم ملتفتا من الغيبة إلى الخطاب ، والكاف محلها رفع على خبرية مبتدأ محذوف : أي أنتم مثل الذين من قبلكم ، أو محلها نصب : أي فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم من الأمم . وقال الزجاج : التقدير وعد الله الكفار نار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلكم ، وقيل المعنى : فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فحذف المضاف . ثم وصف حال أولئك الكفار الذين من قبلهم ، وبين وجه تشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم بأنهم كانوا أشد من هؤلاء المنافقين والكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ( قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ) أي تمتعوا ( بخلاقهم ) أي نصيبهم الذي قدره الله لهم من ملاذ الدنيا ( فاستمتعتم ) أنتم ( بخلاقكم ) أي نصيبكم الذي قدره الله لكم ( كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ) أي انتفعتم به كما انتفعوا به ، والغرض من هذا التمثيل ذم هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم لمن قبلهم من الكفار في الاستمتاع بما رزقهم الله . وقد قيل ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ، ثم في حق المنافقين ثانيا ، ثم تكريره في حق الأولين ثالثا ؟ وأجيب بأنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ، وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ ، فلما قرر تعالى هذا عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة . قوله ( وخضتم كالذي خاضوا ) معطوف على ما قبله : أي كالفوج الذي خاضوا ، أو كالخوض الذي خاضوا ، وقيل أصله كالذين فحذفت النون ، والأولى أن يقال إن الذي اسم موصول مثل من