الشوكاني
369
فتح القدير
المنافقين وسوء أفعالهم ، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين ، فإن المساءة بالحسنة ، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا إلى الغاية ، ومعنى ( تولوا ) رجعوا إلى أهلهم عن مقامات الاجتماع ومواطن التحدث حال كونهم فرحين بالمصيبة التي أصابت المؤمنين ، ومعنى قولهم ( قد أخذنا أمرنا من قبل ) أي احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحزم ، فلم نخرج إلى القتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم ما نالهم من المصيبة ، ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يجيب عليهم بقوله ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) أي في اللوح المحفوظ ، أو في كتابه المنزل علينا ، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدره الله كائن ، وأن كل ما ناله من خير أو شر إنما هو بقدر الله وقضائه هانت عليه المصائب ، ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة ( هو مولانا ) أي ناصرنا وجاعل العاقبة لنا ومظهر دينه على جميع الأديان ، والتوكل على الله تفويض الأمور إليه ، والمعنى : أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم مختصا بالله سبحانه لا يتوكلون على غيره . وقرأ طلحة بن مصرف ( يصيبنا ) بتشديد الياء . وقرأ أعين قاضي الري " يصيبنا " بنون مشددة ، وهو لحن لأن الخبر لا يؤكد ، ورد بمثل قوله تعالى - هل يذهبن كيده ما يغيظ - . وقال الزجاج : معناه لا يصيبنا إلا ما اختصنا الله من النصرة عليكم أو الشهادة ، وعلي هذا القول يكون قوله ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) تكريرا لغرض التأكيد ، والأول أولى حتى يكون كل واحد من الجوابين اللذين أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب عليهم بهما مفيدا لفائدة غير فائدة الآخر ، والتأسيس خير من التأكيد ، ومعنى ( هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخصلتين الحسنيين : إما النصرة أو الشهادة ، وكلاهما مما يحسن لدينا ، والحسنى تأنيث الأحسن ، ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ ( ونحن نتربص بكم ) إحدى المساءتين لكم : إما ( أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) أي قارعة نازلة من السماء فيسحتكم بعذابه ، ( أو ) بعذاب لكم ( بأيدينا ) أي بإظهار الله لنا عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي . والفاء في فتربصوا فصيحة ، والأمر للتهديد كما في قوله - ذق إنك أنت العزيز الكريم - أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا فنحن معكم متربصون ما هو عاقبتكم فستنظرون عند ذلك ما يسرنا ويسوؤكم . وقرأ البزي وابن فليح " هل تربصون " بإظهار اللام وتشديد التاء . وقرأ الكوفيون بإدغام اللام في التاء . وقرأ الباقون بإظهار اللام وتخفيف التاء . قوله ( قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ) هذا الأمر معناه الشرط والجزاء ، لأن الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم ، والتقدير : إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل منكم ، وقيل هو أمر في معنى الخبر : أي أنفقتم طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ، فهو كقوله - استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول ، وانتصاب طوعا أو كرها على الحال فهما مصدران في موقع المشتقين : أي أنفقوا طائعين من غير أمر من الله ورسوله أو مكرهين بأمر منهما . وسمى الأمر منهما إكراها لأنهم منافقون لا يأتمرون بالأمر ، فكانوا بأمرهم الذي لا يأتمرون به كالمكرهين على الإنفاق ، أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو مكرهين منهم ، وجملة ( إنكم كنتم قوما فاسقين ) تعليل لعدم قبول إنفاقهم . والفسق : التمرد والعتو ، وقد سبق بيانه لغة وشرعا ، ثم بين سبحانه السبب المانع من قبول نفقاتهم فقال ( وما معهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ) أي كفرهم بالله وبرسوله جعل المانع من القبول ثلاثة أمور : الأول الكفر ، الثاني أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل ، لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا ، فصلاتهم ليست إلا رياء للناس وتظهرا بالإسلام الذي يبطنون خلافه ، والثالث أنهم لا ينفقون أموالهم إلا وهم كارهون ، ولا ينفقونها طوعا لأنهم يعدون إنفاقها وضعا لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله قوله ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) الإعجاب بالشيء : أن يسر به سرورا راض به