الشوكاني
359
فتح القدير
بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية المذكورة ، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الأشهر الحرم ، كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه ، وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وآله وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، فقد أجيب عنه أنه لم يبتدأ محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال ، والمحرم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه ، وبهذا يحصل الجمع . قوله ( وقاتلوا المشركين كافة ) أي جميعا ، وهو مصدر في موضع الحال . قال الزجاج : مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة ولا يثنى ولا يجمع ( كما يقاتلونكم كافة ) أي جميعا . وفيه دليل على وجوب قتال المشركين ، وأنه فرض على الأعيان إن لم يقم به البعض ( واعلموا أن الله مع المتقين ) أي ينصرهم ويثبتهم ، ومن كان الله معه فهو الغالب ، وله العاقبة والغلبة . قوله ( إنما النسئ زيادة في الكفر ) قرأ نافع في رواية ورش عنه النسئ بياء مشددة بدون همز . وقرأ الباقون بياء بعدها همزة . قال النحاس : ولم يرو أحد عن نافع هذه القراءة إلا ورش وحده ، وهو مشتق من نسأه وأنسأه : إذا أخره ، حكى ذلك الكسائي . قال الجوهري : النسئ فعيل بمعنى مفعول من قولك نسأت الشئ فهو منسوء : إذا أخرته ، ثم تحول منسوء إلى نسئ كما تحول مقتول إلى قتيل . قال ابن جرير : في النسئ بالهمزة معنى الزيادة يقال نسأ ينسأ : إذا زاد ، قال : ولا يكون بترك الهمزة إلا من النسيان كما قال تعالى - نسوا الله فنسيهم - ، ورد على نافع قراءته . وكانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم المذكورة ، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا غيرها ، فإذا قاتلوا في المحرم حرموا بدله شهر صفر . وهكذا في غيره . وكان الذي يحملهم على هذا أن كثيرا منهم إنما كانوا يعيشون بالغارة على بعضهم البعض ، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه ، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال ، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضر بهم تواليها وتشتد حاجتهم وتعظم فاقتهم ، فيحللون بعضها ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم ، فهذا هو معنى النسئ الذي كانوا يفعلونه . وقد وقع الخلاف في أول من فعل ذلك فقيل هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن عتيد ، ويلقب القلمس ، وإليه يشير الكميت بقوله : ألسنا الناسئين على معد * شهور الحل نجعلها حراما وفيه يقول قائلهم * ومنا ناسئ الشهر القلمس * وقيل هو عمرو بن لحي ، وقيل هو نعيم بن ثعلبة من بني كنانة ، وسمى الله سبحانه النسئ زيادة في الكفر لأنه نوع من أنواع كفرهم ، ومعصية من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر . قوله ( يضل به الذين كفروا ) قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر ( يضل ) على البناء للمعلوم . وقرأ الكوفيون على البناء للمجهول . ومعنى القراءة الأولى أن الكفار يضلون بما يفعلونه من النسئ ، ومعنى القراءة الثانية ، أن الذي سن لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة . وقد اختار القراءة الأولى أبو حاتم ، واختار القراءة الثانية أبو عبيد . وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب ( يضل ) بضم الياء وكسر الضاد على أنه فاعله الموصول ومفعوله محذوف ، ويجوز أن يكون فاعله هو الله سبحانه ومفعوله الموصول . وقرئ بفتح الياء والضاد من ضل يضل . وقرئ " نضل " بالنون . قوله ( يحلونه عاما ويحرمونه عاما ) الضمير راجع إلى النسئ : أي يحلون النسئ عاما ويحرمونه عاما ، أو إلى الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه : أي يحلونه عاما بإبداله بشهر آخر من شهور الحل ، ويحرمون عاما : أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال ، بل يبقونه على حرمته . قوله ( ليواطئوا عدة ما حرم الله ) أي لكي يواطئوا ، والمواطأة الموافقة ، يقال تواطأ القوم على كذا : أي توافقوا عليه واجتمعوا . والمعنى : إنهم لم يحلوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة ،