الشوكاني
357
فتح القدير
ولو قال يوم تحمى : أي الكنوز لم يعط هذا المعنى ، فجعل الإحماء للنار مبالغة ، ثم حذف النار وأسند الفعل إلى الجار كما تقول رفعت القصة إلى الأمير ، فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير ، وقرأ ابن عامر " تحمى " بالمثناة الفوقية . وقرأ أبو حيوة " فيكوى " بالتحتية . وخص الجباه والجنوب والظهور لكون التألم بكيها قبل أشد لما في داخلها من الأعضاء الشريفة ، وقيل ليكون الكي في الجهات الأربع : من قدام ، وخلف ، وعن يمين ، وعن يسار ، وقيل لأن الجمال في الوجه ، والقوة في الظهر والجنبين ، والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة ، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تكلف . قوله ( هذا ما كنزتم لأنفسكم ) أي يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم : أي كنزتموه لتنتفعوا به فهذا نفعه على طريقة التهكم والتوبيخ ( فذوقوا ما كنتم تكنزون ) ما مصدرية أو موصولة : أي ذوقوا وباله ، وسوء عاقبته ، وقبح مغبته ، وشؤم فائدته . وقد أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ) يعني علماء اليهود والنصارى ( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس ، وذلك قول الله تعالى - فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله - . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) قال : هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة من أموالهم ، وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز ، وكل مال أديت زكاته فليس بكنز ، كان على ظهر الأرض أو في بطنها ، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ من وجه آخر . وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر نحوه . وأخرج ابن مردويه عنه نحوه مرفوعا . وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر نحوه مرفوعا أيضا . وأخرجه ابن أبي شيبة عنه موقوفا . وأخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر في الآية قال : إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال ، ثم قال : ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهبا أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعات الله ؟ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال : ليس بكنز ما أدى زكاته . وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أم سلمة مرفوعا نحوه . وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو داود وأبو يعلي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) كبر ذلك على المسلمين ، وقالوا : ما يستطيع أحد منا لولده مالا يبقى بعده ، فقال عمر : أنا أفرج عنكم ، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية ، فقال : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم ، فكبر عمر ، ثم قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته . وقد أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن سالم بن أبي الجعد من غير وجه عن ثوبان . وحكى البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) قال : هم أهل الكتاب ، وقال : هي خاصة وعامة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوقها كنز . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال : حلية السيوف من الكنوز ما أحدثكم إلا ما سمعت . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا في قوله ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) إنها نسختها الآية الأخرى - خذ من أموالهم صدقة - الآية . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال