الشوكاني
354
فتح القدير
بعماد الحق ، ولم تعضد بعضد الدين ونصوص الكتاب والسنة ، تنادي بأبلغ نداء وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه ، فأعرتموهما آذانا صما ، وقلوبا غلفا ، وأفهاما مريضة ، وعقولا مهيضة ، وأذهانا كليلة ، وخواطر عليلة ، وأنشدتم بلسان الحال : وما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد فدعوا أرشدكم الله وإياي كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم ، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم ومتعبدهم ومتعبدكم ومعبودهم ومعبودكم ، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم وقدوتكم وقدوتهم ، وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم . دعوا كل قول عند قول محمد * فما آبن في دينه كمخاطر اللهم هادي الضال ، مراشد التائه ، موضح السبيل ، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب ، وأوضح لنا منهج الهداية . قوله ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ) هذه الجملة في محل نصب على الحال : أي اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ، والحال أنهم ما أمروا إلا بعبادة الله وحده ، أو وما أمر الذين اتخذوهم أربابا من الأحبار والرهبان إلا بذلك ، فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أربابا . قوله ( لا إله إلا هو ) صفة ثانية لقوله إلها ( سبحانه عما يشركون ) أي تنزيها له عن الإشراك في طاعته وعبادته . قوله ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ) هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق وهو ما راموه من إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة التي هي مجرد كلمات ساذجة ومجادلات زائفة ، وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق ونبوة نبي الصدق ، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا وانقشعت به الظلمة ليطفئه ويذهب أضواءه ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) أي دينه القويم ، وقد قيل كيف دخلت إلا الاستثنائية على يأبى ، ولا يجوز كرهت أو بغضت إلا زيدا . قال الفراء : إنما دخلت لأن في الكلام طرفا من الجحد . وقال الزجاج : إن العرب تحذف مع أبي ، والتقدير ويأبى الله كل شئ إلا أن يتم نوره . وقال علي بن سليمان : إنما جاز هذا في أبى ، لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي ، قال النحاس : وهذا أحسن كما قال الشاعر : وهل لي أم غيرها إن تركتها * أبى الله إلا أن أكون لها ابنا وقال صاحب الكشاف : إن أبر قد أجرى مجرى لم يرد : أي ولا يريد إلا أن يتم نوره . قوله ( ولو كره الكافرون ) معطوف على جملة قبله مقدرة : أي أبى الله إلا أن يتم نوره ولو لم يكره الكافرون ذلك ولو كرهوا ، ثم أكد هذا بقوله ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ) أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله لعباده ( ودين الحق ) وهو الإسلام ( ليظهره ) أي ليظهر رسوله ، أو دين الحق بما اشتمل عليه من الحجج والبراهين ، وقد وقع ذلك ولله الحمد ( ولو كره المشركون ) الكلام فيه كالكلام في - ولو كره الكافرون - كما قدمنا ذلك . وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وأبو أنس وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا : كيف نتبعك وقت تركت قبلتنا وأنت لا تزعم عزير ابن الله ؟ فأنزل الله ( وقالت اليهود عزير ابن الله ) الآية . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عنه قال : كن نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله به بني إسرائيل وما أعطاهم ، ثم سلط عليهم شر خلقه بختنصر ، فحرق التوراة وخرب بيت المقدس ، وعزير