الشوكاني

351

فتح القدير

للموصول مع ما في حيزه وهم أهل التوراة والإنجيل . قوله ( حتى يعطوا الجزية عن يد ) الجزية وزنها فعلة من جزى يجزى : إذا كافأ عما أسدى إليه ، فكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن ، وقيل سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه : أي يقضوه ، وهي في الشرع ما يعطيه المعاهد على عهده ، و ( عن يد ) في محل نصب على الحال . والمعنى : عن يد مواتية غير ممتنعة وقيل معناه يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدا ، وقيل معناه : نقد غير نسيئة ، وقيل عن قهر ، وقيل معناه ، عن إنعام منكم عليهم ، لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم ، وقيل معناه مذمومون . وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأبو ثور إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب . وقال الأوزاعي ومالك : إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائنا من كان ، ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس . قال ابن المنذر : لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم . واختلف أهل العلم في مقدار الجزية ، فقال عطاء : لا مقدار لها ، وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه ، وبه قال يحيى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال : أقلها دينار وأكثرها لاحد له . وقال الشافعي : دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شئ ، وبه قال أبو ثور . قال الشافعي : وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز ، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم . وقال مالك : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب ، وأربعون درهما على أهل الورق ، الغني والفقير سواء ، ولو كان مجوسيا لا يزيد ولا ينقص ، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل : اثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية وأربعون والكلام في الجزية مقرر في مواطنه ، والحق من هذه الأقوال قد قررناه في شرحنا للمنتقى وغيره من مؤلفاتنا . قوله ( وهم صاغرون ) في محل نصب على الحال ، والصغار الذل والمعنى : إن الذمي يعطى الجزية حال كونه صاغرا ، قيل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب ويسلمها وهو قائم ، والمتسلم قاعد . وبالجملة ينبغي للقابض للجزية أن يجعل المسلم لها حال قبضها صاغرا ذليلا . وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله ( إنما المشركون نجس ) الآية قال : إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة . وقد روى مرفوعا من وجه آخر أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال : : قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمكم . قال ابن كثير : تفرد به أحمد مرفوعا . والموقوف أصح . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتجرون به ، فلما نهوا عن أن يأتوا البيت ، قال المسلمون : فمن أين لنا الطعام ؟ فأنزل الله ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) قال : فأنزل الله عليهم المطر ، وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم . وأخرج ابن مردويه عنه قال : فأغناهم الله من فضله وأمرهم بقتال أهل الكتاب . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ( وإن خفتم عيلة ) قال : الفاقة . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( فسوف يغنيكم الله من فضله ) قال : بالجزية . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك مثله . وأخرج نحوه عبد الرزاق عن قتادة . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله ( إنما المشركون نجس ) قال : قذر . وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا قال : من صافحهم فليتوضأ . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من صافح مشركا فليتوضأ أو ليغسل كفيه " . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم