الشوكاني

349

فتح القدير

معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار ، فكنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر ، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدما ، فقال : ناولني كفا من تراب ، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا ، وولى المشركون أدبارهم . ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها فلان نطول بذلك . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( وأنزل جنودا لم تروها ) قال : هم الملائكة ( وعذب الذين كفروا ) قال : قتلهم بالسيف . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير قال : في يوم حنين أمد الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال : فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين . وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم قال : رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل النجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم ، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي ، لم أشك أنها الملائكة ، ولم تكن إلا هزيمة القوم . سورة براءة الآية ( 28 - 29 ) النجس مصدر لا يثنى ولا يجمع ، يقال رجل نجس ، وامرأة نجس ، ورجلان نجس ، وامرأتان نجس ، ورجال نجس ، ونساء نجس ، ويقال نجس ونجس بكسر الجيم وضمها ، ويقال نجس بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف من المحرك . قيل لا تستعمل إلا إذا قيل معه رجس ، وقيل ذلك أكثري لا كلي . والمشركون مبتدأ ، وخبره المصدر مبالغة في وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة ، أو على تقدير مضاف : أي ذوو نجس ، لأن معهم الشرك وهو بمنزلة النجس . وقال قتادة ومعمر وغيرهما : إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات . وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية والزيدية . وروى عن الحسن البصري وهو محكى عن ابن عباس . وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات ، لأن الله سبحانه أحل طعامهم ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم ، فأكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها وأنزلهم في مسجده . قوله ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) الفاء للتفريع ، فعدم قربانهم للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم . والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم ، روى ذلك عن عطاء ، فيمنعون عنده من جميع الحرم ، وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه فلا يمنع المشرك من دخول سائر الحرم . وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد ، فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد . وقال الشافعي : الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام ، فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد . قال ابن العربي : وهذا جمود منه على الظاهر ، لأن قوله تعالى ( إنما المشركون نجس )