الشوكاني

298

فتح القدير

سورة الأنفال الآية ( 21 - 23 ) أمر الله سبحانه المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ونهاهم عن التولي عن رسوله ، فالضمير في ( عنه ) عائد إلى الرسول ، لأن طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي من طاعة الله ، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله - ويحتمل أن يكون هذا الضمير راجعا إلى الله وإلى رسوله كما في قوله - والله ورسوله أحق أن يرضوه - وقيل الضمير راجع إلى الأمر الذي دل عليه أطيعوا ، وأصل تولوا تتولوا ، فطرحت إحدى التاءين ، هذا تفسير الآية على ظاهر الخطاب للمؤمنين ، وبه قال الجمهور ، وقيل إنه خطاب للمنافقين ، والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط . قال ابن عطية : وهذا وإن كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا ، لأن الله وصف من خاطبه في هذه الآية بالإيمان وهو التصديق ، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشئ ، وأبعد من هذا من قال : الخطاب لبني إسرائيل ، فإنه أجنبي من الآية ، وجملة ( وأنتم تسمعون ) في محل نصب على الحال ، والمعنى : وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين وتصدقون بها ولستم كالصم البكم ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ) وهم المشركون أو المنافقون أو اليهود أو الجميع من هؤلاء ، فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل ، فهم كالذي لم يسمع أصلا لأنه لم ينتفع بما سمعه . ثم أخبر سبحانه ب‍ ( إن شر الدواب ) أي ما دب على الأرض ( عند الله ) أي في حكمه ( الصم البكم ) أي الذين لا يسمعون ولا ينطقون ، وصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمع وينطق لعدم انتفاعهم بالسمع والنطق ( الذين لا يعقلون ) ما فيه النفع لهم فيأتونه ، وما فيه الضرر عليهم فيجتنبونه فهم شر الدواب عند الله ، لأنها تميز بعض تمييز ، وتفرق بين ما ينفعها ويضرها ( ولو علم الله فيهم ) أي في هؤلاء الصم البكم ( خيرا لأسمعهم ) سماعا ينتفعون به ويتعقلون عنده الحجج والبراهين . قال الزجاج ( لأسمعهم ) جواب كل ما سألوا عنه ، وقيل ( لأسمعهم ) كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون وجملة ( وهم معرضون ) في محل نصب على الحال . وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وهم لا يسمعون ) قال : غاضبون . وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله ( إن شر الدواب عند الله ) الآية قال : إن هذه الآية نزلت في فلان وأصحاب له . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( إن شر الدواب عند الله ) قال هم نفر من قريش من بني عبد الدار . أخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله ( الصم البكم الذين لا يعقلون ) قال : لا يتبعون الحق . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث وقومه . ولعله المكني عنه بفلان فيما تقدم من قول علي رضي الله عنه . وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير في قوله ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم ، وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال : قالوا نحن صم عما يدعونا إليه محمد لا نسمعه ، بكم لا نجيبه فيه بتصديق قتلوا جميعا بأحد ، وكانوا أصحاب اللواء يوم أحد .