الشوكاني

286

فتح القدير

على الله : تفويض الأمر إليه في جميع الأمور والموصول في قوله ( الذين يقيمون الصلاة ) في محل رفع على أنه وصف للموصول الذي قبله ، أو بدل منه أو بيان له أو في محل نصب على المدح ، وخص إقامة الصلاة والصدقة لكونهما أصل الخير وأساسه ، و " من " في ( مما ) للتبعيض والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المتصفين بالأوصاف المتقدمة وهو مبتدأ وخبره ( هم المؤمنون ) أي أن هؤلاء هم الكاملون الإيمان البالغون فيه إلى أعلا درجاته وأقصى غاياته و ( حقا ) مصدر مؤكد لمضمون جملة هم المؤمنون : أي حق ذلك حقا أو صفة مصدر محذوف : أي هم المؤمنون إيمانا حقا ، ثم ذكر ما أعد لمن كان جامعا بين هذه الأوصاف من الكرامة فقال ( لهم درجات ) أي منازل خير وكرامة وشرف في الجنة كائنة عند ربهم وفي كونها عنده سبحانه زيادة تشريف لهم وتكريم وتعظيم وتفخيم ، وجملة ( لهم درجات عند ربهم ) خبر ثان ل‍ ( أولئك ) أو مستأنفة جوابا لسؤال مقدر ، ( ومغفرة ) معطوف على درجات أي مغفرة لذنوبهم ( ورزق كريم ) يكرمهم الله به من واسع فضله وفائض جوده . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وجلت قلوبهم ) قال : فرقت قلوبهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال : المنافقون لا يدخل قلوبهم شئ من ذكر الله عند أداء فرائضه ، ولا يؤمنون بشئ من آيات الله ، ولا يتوكلون على الله ، ولا يصلون إذا غابوا ، ولا يؤدون زكاة أموالهم ، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين ، ثم وصف المؤمنين فقال ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) فأدوا فرائضه . وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وأبو الشيخ من طريق شهر بن حوشب عن أم الدرداء قالت : إنما الوجل في القلب كاحتراق السعفة يا شهر بن حوشب ، أما تجد قشعريرة ؟ قلت بلى ، قالت : فادع عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك . وأخرج الحكيم الترمذي عن ثابت البناني قال : قال فلان : إني لأعلم متى يستجاب لي ؟ قالوا : ومن أين لك ؟ قال : إذا اقشعر جلدي ووجل قلبي وفاضت عيناي ، فذلك حين يستجاب لي . وأخرج أيضا عن عائشة قالت ما الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة ، فإذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال : هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له اتق الله فييجل قلبه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( زادتهم إيمانا ) قال : تصديقا . وأخرج هؤلاء عن الربيع بن أنس في قوله ( زادتهم إيمانا ) قال : خشية . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وعلى ربهم يتوكلون ) يقول : لا يرجون غيره . وأخرجا عنه في قوله ( أولئك هم المؤمنون حقا ) قال : برئوا من الكفر . وأخرج أبو الشيخ عنه ( حقا ) قال : خالصا . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( لهم درجات ) يعني فضائل ورحمة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( لهم درجات ) قال : أعمال رفيعة . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ( لهم درجات ) قال : أهل الجنة بعضهم فوق بعض ، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه . ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله ( ومغفرة ) قال : بترك الذنوب ( ورزق كريم ) قال : الأعمال الصالحة . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال إذا سمعتم الله يقول ( ورزق كريم ) فهي الجنة . سورة الأنفال الآية ( 5 - 6 )