الشوكاني

28

فتح القدير

القصاص . قوله ( فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) هذا تصريح بما هو مفهوم من الجملة التي قبل هذه الجملة لبيان أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا السبب . قوله ( قال رجلان ) هما يوشع وكالب بن يوفنا أو ابن فانيا ، وكانا من الاثني عشر نقيبا كما مر بيان ذلك . وقوله ( من الذين يخافون ) أي يخافون من الله عز وجل ، وقيل من الجبارين أي هذان الرجلان من جملة القوم الذين يخافون من الجبارين ، وقيل من الذين يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم وقيل إن الواو في ( يخافون ) لبني إسرائيل : أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل . وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير " يخافون " بضم الياء : أي يخافهم غيرهم . قوله ( أنعم الله عليهما ) في محل رفع على أنه صفة ثانية لرجلان ، بالإيمان واليقين بحصول ما وعدوا به من النصر والظفر ( ادخلوا عليهم الباب ) أي باب بلد الجبارين ( فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) قالا هذه المقالة لبني إسرائيل . والظاهر أنهما قد علما بذلك من خبر موسى ، أو قالاه ثقة بوعد الله ، أو كانا قد عرفا أن الجبارين قد ملئت قلوبهم خوفا ورعبا ( قالوا ) أي بنو إسرائيل لموسى ( إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ) وكان هذا القول منهم فشلا وجبنا أو عنادا وجرءة على الله ، وعلى رسوله ( فاذهب أنت وربك فقاتلا ) قالوا هذا جهلا بالله عز وجل وبصفاته وكفرا بما يجب له ، أو استهانة بالله ورسوله ، وقيل أرادوا بالذهاب الإرادة والقصد ، وقيل أرادوا بالرب هارون ، وكان أكبر من موسى ، وكان موسى يطيعه ( إنا هاهنا قاعدون ) أي لا نبرح هاهنا لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع ، وقيل أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر ( قال ) موسى ( رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) يحتمل أن يعطف وأخي على نفسي ، وأن يعطف على الضمير في ( إني ) أي إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه ، قال هذا تحسرا وتحزنا واستجلابا للنصر من الله عز وجل ( فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) أي افصل بيننا : يعنى نفسه وأخاه وبين القوم الفاسقين وميزنا عن جملتهم ولا تلحقنا بهم في العقوبة ، وقيل المعنى : فاقض بيننا وبينهم ، وقيل إنما أراد في الآخرة وقرأ عبيد بن عمير ( فافرق ) بكسر الراء ( قال فإنها ) أي الأرض المقدسة ( محرمة عليهم ) أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين ( أربعين سنة ) ظرف للتحريم : أي أنه محرم عليهم دخولها هذه المدة لا زيادة عليها ، فلا يخالف هذا التحريم ما تقدم من قوله ( التي كتب الله لكم ) فإنها مكتوبة لمن بقي منهم بعد هذه المدة ، وقيل إنه لم يدخلها أحد ممن قال ( إنا لن ندخلها ) فيكون توقيت التحريم بهذه المدة باعتبار ذراريهم ، وقيل إن ( أربعين سنة ) ظرف لقوله ( يتيهون في الأرض ) أي يتيهون هذا المقدار فيكون التحريم مطلقا . والموقت : هو التيه ، وهو في اللغة الحيرة ، يقال منه تاه يتيه تيها أو توها إذا تحير ، فالمعنى : يتحيرون في الأرض ، قيل إن هذه الأرض التي تاهوا فيها كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا ، وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لاقرار لهم . واختلف أهل العلم هل كان معهم موسى وهارون أم لا ؟ فقيل لم يكونا معهم ، لأن التيه عقوبة ، وقيل كانا معهم لكن سهل الله عليهما ذلك كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم . وقد قيل كيف يقع هذا لجماعة من العقلاء في مثل هذه الأرض اليسيرة في هذه المدة الطويلة ؟ قال أبو علي : يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا إلى المكان الذي ابتدأوا منه . وقد يكون بغير ذلك من الأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة للعادة . وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ( وجعلكم ملوكا ) قال : ملكهم الخدم ، وكانوا أول من ملك الخدم . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عنه