الشوكاني

279

فتح القدير

سورة الأعراف الآية ( 204 - 206 ) قوله ( خذ العفو ) لما عدد الله ما عدده من أحوال المشركين وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم : أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأخذ العفو من أخلاقهم ، يقال أخذت حقي عفوا : أي سهلا ، وهذا نوع من التيسير الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " والمراد بالعفو هنا ضد الجهد ، وقيل المراد : خذ العفو من صدقاتهم ولا تشدد عليهم فيها وتأخذ ما يشق عليهم ، وكان هذا قبل نزول فريضة الزكاة ( وأمر بالعرف ) أي بالمعروف . وقرأ عيسى بن عمر " بالعرف " بضمتين ، وهما لغتان ، والعرف والمعروف والعارفة : كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس ، ومنه قول الشاعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس ( وأعرض عن الجاهلين ) أي إذا أقمت الحجة في أمرهم بالمعروف فلم يفعلوا ، فأعرض عنهم ولا تمارهم ولا تسافههم وكان مكافأة لما يصدر منهم من المراء والسفاهة ، قيل وهذه الآية هي من جملة ما نسخ بآية السيف ، قاله عبد الرحمن بن زيد وعطاء ، وقيل هي محكمة ، قاله مجاهد وقتادة ، قوله ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) النزغ الوسوسة وكذا النغز والنخس . قال الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون ، ومن الشيطان أدنى وسوسة ، وأصل النزغ : الفساد ، يقال نزغ بيننا : أي أفسد ، وقيل النزغ : الإغواء ، والمعنى متقارب ، أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أدرك شيئا من وسوسة الشيطان أن يستعيذ بالله ، وقيل إنه لما نزل قوله ( خذ العفو ) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " كيف يا رب بالغضب " فنزلت ، وجملة ( إنه سميع عليم ) علة لأمره بالاستعاذة أي استعذ به والتجئ إليه ، فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به ، وجملة ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ) مقررة لمضمون ما قبلها : أي إن شأن الذين يتقون الله وحالهم هو التذكر لما أمر الله به من الاستعاذة به والالتجاء إليه عند أن يمسهم طائف من الشيطان وإن كان يسيرا . قرأ أهل البصرة ( طيف ) وكذا أهل مكة . وقرأ أهل المدينة والكوفة ( طائف ) . وقرأ سعيد بن جبير ( طيف ) بالتشديد . قال النحاس : كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف . قال الكسائي : هو مخفف مثل ميت وميت . قال النحاس ومعناه في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم ، وكذا معنى طائف . قال أبو حاتم : سألت الأصمعي عن طيف فقال : ليس في المصادر فيعل . قال النحاس : ليس هو مصدرا ولكن يكون بمعنى طائف ، وقيل : الطيف والطائف معنيان مختلفان ، فالأول التخيل ، والثاني الشيطان نفسه ، فالأول من طاف الخيال يطوف طيفا ، ولم يقولوا من هذا طائف . قال السهيلي : لأنه تخيل لا حقيقة له ، فأما قوله - فطاف عليها طائف من ربك - فلا يقال فيه طيف لأنه اسم فاعل حقيقة . قال الزجاج : طفت عليهم أطوف ، فطاف الخيال يطيف . قال حسان : فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني إذ ذهب العشاء وسميت الوسوسة طيفا لأنها لمة من الشيطان تشبه لمة الخيال ( فإذا هم مبصرون ) بسبب التذكر : أي منتبهون