الشوكاني

274

فتح القدير

ضر عنه إلا ما شاء الله سبحانه من النفع له والدفع عنه فبالأولى أن لا يقدر على علم ما استأثر الله بعلمه ، وفي هذا من إظهار العبودية والإقرار بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد والاعتراف بالضعف عن انتحال ما ليس له صلى الله عليه وآله وسلم ما فيه أعظم زاجر ، وأبلغ واعظ لمن يدعى لنفسه ما ليس من شأنها ، وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل أو الطرق بالحصا أو الزجر ، ثم أكد هذا وقرره بقوله ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) أي لو كنت أعلم جنس الغيب لتعرضت لما فيه الخير فجلبته إلى نفسي وتوقيت ما فيه السوء حتى لا يمسني ولكني عبد لا أدري ما عند ربي ، ولا ما قضاه في وقدره لي ، فكيف أدري غير ذلك وأتكلف علمه ، وقيل المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته ، وقيل لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب ، وقيل لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه ، والأولى حمل الآية على العموم فتندرج هذه الأمور وغيرها تحتها ، وقد قيل إن ( وما مسني السوء ) كلام مستأنف أي ليس بي ما تزعمون من الجنون والأولى أنه متصل بما قبله والمعنى : لو علمت الغيب ما مسني السوء ولحذرت عنه كما قدمنا ذلك . قوله ( إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) أي ما أنا إلا مبلغ عن الله لأحكامه أنذر بها قوما وأبشر بها آخرين ولست أعلم بغيب الله سبحانه ، واللام في ( لقوم ) متعلق بكلا الصفتين : أي بشير لقوم ، ونذير لقوم ، وقيل هو متعلق ببشير ، والمتعلق بنذير محذوف : أي نذير لقوم يكفرون ، وبشير لقوم يؤمنون . قوله ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نعم الله على عباده وعدم مكافأتهم لها مما يجب من الشكر والاعتراف بالعبودية وأنه المنفرد بالإلهية . قال جمهور المفسرين : المراد بالنفس الواحدة آدم ، وقوله ( وجعل منها زوجها ) معطوف على ( خلقكم ) أي هو الذي خلقكم من نفس آدم وجعل من هذه النفس زوجها ، وهي حواء خلقها من ضلع من أضلاعه ، وقيل المعنى ( جعل منها ) من جنسها كما في قوله - جعل لكم من أنفسكم أزواجا - والأول أولى ( ليسكن إليها ) علة للجعل : أي جعله منها لأجل يسكن إليها يأنس إليها ويطمئن بها فإن الجنس بجنسه أسكن وإليه آنس ، وكان هذا في الجنة كما وردت بذلك الأخبار : ثم ابتدأ سبحانه بحالة أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما ، فقال ( فلما تغشاها ) ، والتغشي كناية عن الوقاع : أي فلما جامعها ( حملت حملا خفيفا ) علقت به بعد الجماع ، ووصفه بالخفة لأنه عند إلقاء النطفة أخف منه عند كونه علقة ، وعند كونه علقة أخف منه عند كونه مضغة وعند كونه مضغة أخف مما بعده وقيل إنه خف عليها هذا الحمل من ابتدائه إلى انتهائه ، ولم تجد منه ثقلا كما تجده الحوامل من النساء لقوله ( فمرت به ) أي استمرت بذلك الحمل تقوم وتقعد وتمضي في حوائجها لا تجد به ثقلا ، والوجه الأول أولى لقوله ( فلما أثقلت ) فإن معناه : فلما صارت ذات ثقل لكبر الولد في بطنها ، وقرئ " فمرت به " بالتخفيف : أي فجزعت لذلك ، وقرئ " فمارت به " من المور ، وهو المجئ والذهاب ، وقيل المعنى : فاستمرت به . وقد رويت قراءة التخفيف عن ابن عباس ويحيى بن يعمر ، ورويت قراءة " فمارت " عن عبد الله بن عمر ، وروى عن ابن عباس أنه قرأ " فاستمرت به " قوله ( دعوا الله ربهما ) جواب لما : أي دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما ( لئن آتيتنا صالحا ) أي ولدا صالحا ، واللام جواب قسم محذوف ، و ( لنكونن من الشاكرين ) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط : أي من الشاكرين لك على هذه النعمة ، وفي هذا الدعاء دليل على أنهما قد علما أن ما حدث في بطن حواء من أثر ذلك الجماع هو من جنسهما وعلما بثبوت النسل المتأثر عن ذلك السبب ( فلما آتاهما ) ما طلباه من الولد الصالح وأجاب دعاءهما ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قال كثير من المفسرين : إنه جاء إبليس إلى حواء وقال لها : إن ولدت ولدا فسميه باسمي فقالت : وما اسمك ؟ قال : الحرث