الشوكاني
265
فتح القدير
قوله ( واتل ) معطوف على الأفعال المقدرة في القصص السابقة : وإيراد هذه القصة منه سبحانه وتذكير أهل الكتاب بها لأنها كانت مذكورة عندهم في التوراة . وقد اختلف في هذا الذي أوتى الآيات ( فانسلخ منها ) فقيل : هو بلعم بن باعوراء ، وكان قد حفظ بعض الكتب المنزلة ، وقيل كان قد أوتى النبوة وكان مجاب الدعوة ، بعثه الله إلى مدين يدعوهم إلى الإيمان ، فأعطوه الأعطية الواسعة فاتبع دينهم وترك ما بعث به ، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل لقتال الجبارين ، سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على موسى ، فقام ليدعو عليه فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه ، فقيل له في ذلك فقال : لا أقدر على أكثر مما تسمعون ، واندلع لسانه على صدره فقال قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة وسأمكر لكم ، وإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنا ، فإن وقعوا فيه هلكوا ، فوقع بنو إسرائيل في الزنا ، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا ، وقيل إن هذا الرجل اسمه باعم وهو من بني إسرائيل ، وقيل المراد به أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك ، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حسده وكفر به ، وقيل هو أبو عامر بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية ، فكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل نزلت في قريش آتاهم الله آياته التي أنزلها على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكفروا بها ، وقيل نزلت في اليهود والنصارى انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكفروا به قوله ( فانسلخ منها ) أي من هذه الآيات التي أوتيها كما تنسلخ الشاة عن جلدها فلم يبق له بها اتصال ( فأتبعه الشيطان ) عند انسلاخه عن الآيات : أي لحقه فأدركه وصار قرينا له ، أو فأتبعه خطواته ، وقرئ " فاتبعه " بالتشديد بمعنى تبعه ( فكان من الغاوين ) المتمكنين في الغواية وهم الكفار . قوله ( ولو شئنا لرفعناه بها ) الضمير يعود إلى الذي أوتى الآيات ، والمعنى : لو شئنا رفعه : بما آتيناه من الآيات لرفعناه بها : أي بسببها ، ولكن لم نشأ ذلك لانسلاخه عنها وتركه للعمل بها ، وقيل المعنى ولو شئنا لأمتناه قبل أن يعصى فرفعناه إلى الجنة بها : أي بالعمل بها ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) أصل الإخلاد اللزوم ، يقال أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه ، والمعنى هنا : أنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة ( واتبع هواه ) أي اتبع ما يهواه وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله وهو حطام الدنيا ، وقيل كان هواه مع الكفار ، وقيل اتبع رضا زوجته ، وكانت هي التي حملته على الانسلاخ من آيات الله . قوله ( فمثله كمثل الكلب : أي فصار لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطا إلى أسفل رتبة مشابها لأخس الحيوانات في الدناءة ممائلا له في أقبح أوصافه ، وهو أنه يلهث في كلا حالتي قصد الإنسان له وتركه ، فهو لاهث سواء زجر أو ترك طرد أو لم يطرد شد عليه أو لم يشد عليه ، وليس بعد هذا في الخسة والدناءة شئ ، وجملة ( إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) في محل نصب على الحال : أي مثله كمثل الكلب حال كونه متصفا بهذه الصفة ، والمعنى : أن هذا المنسلخ عن الآيات لا يرعوي عن المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ وذكره المذكر وزجره الزاجر أو لم يقع شئ من ذلك . قال القتيبي : كل شئ يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال المرض ، وحال الصحة ، وحال الري ، وحال العطش ، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته ، فقال : إن وعظته ضل وإن تركته ضل ، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث كقوله تعالى ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) واللهث : إخراج اللسان لتعب أو عطش أو غير ذلك . قال الجوهري : لهث الكلب بالفتح يلهث لهثا ولهاثا بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش ، وكذلك الرجل إذا أعيا قيل معنى الآية : أنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإن تركته شد عليك