الشوكاني

260

فتح القدير

معنى القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بما يجاب به القسم حيث قال ( ليبعثن عليهم ) أي ليرسلن عليهم ويسلطن كقوله - بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد - ( إلى يوم القيامة ) غاية لسومهم سوء العذاب ممن يبعثه الله عليهم وقد كانوا أقماهم الله هكذا أذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل ، وهكذا هم في هذه الملة الإسلامية في كل قطر من أقطار الأرض في الذلة المضروبة عليهم والعذاب والصغار ، يسلمون الجزية بحقن دمائهم ويمتهنهم المسلمون فيما فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها غيرهم من طوائف الكفار . ومعنى ( يسومهم ) يذيقهم ، وقد تقدم بيان أصل معناه ، ثم علل ذلك بقوله ( إن ربك لسريع العقاب ) يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء ( وإنه لغفور رحيم ) أي كثير الغفران والرحمة ( وقطعناهم في الأرض ) أي فرقناهم في جوانبها ، أو شتتا أمرهم فلم تجتمع لهم كلمة ، و ( أمما ) منتصب على الحال أو مفعول ثان لقطعنا على تضمينه معنى صيرنا ، وجملة ( منهم الصالحون ) بدل من " أمما " ، قيل هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن مات قبل البعثة المحمدية غير مبدل ، وقيل هم الذين سكنوا وراء الصين كما تقدم بيانه قبل هذا ( ومنهم دون ذلك ) أي دون هذا الوصف الذي اتصفت به الطائفة الأولى وهو الصلاح ، ومحل ( دون ذلك ) الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : ومنهم أناس دون ذلك ، والمراد بهؤلاء من لم يؤمن ، بل انهمك في المخالفة لما أمره الله به قال النحاس ( دون ) منصوب على الظرف ولا نعلم أحدا رفعه ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) أي امتحناهم بالخير والشر رجاء أن يرجعوا مما هم من الكفر والمعاصي ( فخلف من بعدهم خلف ) المراد بهم أولاد الذين قطعهم الله في الأرض قال أبو حاتم الخلف بسكون اللام الأولاد ، الواحد والجمع سواء . والخلف بفتح اللام البدل ولدا كان أو غيره . وقال ابن الأعرابي : الخلف بالفتح الصالح ، وبالسكون الطالح . قال لبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب ومنه قيل للردئ من الكلام خلف بالسكون ، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر ، ومنه قول حسان ابن ثابت : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا * لأولنا في طاعة الله تابع ( ورثوا الكتاب ) أي التوراة من أسلافهم يقرؤونها ولا يعملون بها ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) أخبر الله عنهم بأنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم وقوة نهمتهم ، والأدنى مأخوذ من الدنو ، وهو القرب : أي يأخذون عرض هذا الشئ الأدنى ، وهو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشاء وما هو مجعول لهم من السحت في مقابلة تحريفهم لكلمات الله ، وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة وكتمهم لما يكتمونه منها ، وقيل إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط : أي إنهم يأخذون عرض الشئ الدنئ الساقط ( ويقولوا سيغفر لنا ) أي يعللون أنفسهم بالمغفرة مع تماديهم في الضلالة وعدم رجوعهم إلى الحق ، وجملة ( يأخذون ) يحتمل أن تكون مستأنفة لبيان حالهم أو في محل نصب على الحال ، وجملة ( يقولون ) معطوفة عليها ، والمراد بهذا الكلام : التقريع والتوبيخ لهم ، وجملة ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) في محل نصب على الحال : أي يتعللون بالمغفرة ، والحال أنهم إذا أتاهم عرض مثل العرض الذي كانوا يأخذونه أخذوه غير مبالين بالعقوبة ولا خائفين من التبعة ، وقيل الضمير في ( يأتهم ) ليهود المدينة : أي وإن يأت هؤلاء اليهود الذين هم في عصر محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرض مثل العرض الذي كان يأخذه أسلافهم أخذوه كما أخذه أسلافهم ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ) أي التوراة ( أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، وجملة ( ودرسوا ما فيه ) معطوفة على ( يؤخذ ) على