الشوكاني

257

فتح القدير

حدود الله بالصيد يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه ، وقرئ " يعدون " بفتح الياء والعين وضم الدال مشددة بمعنى يعتدون ، أدغمت التاء في الدال . والسبت هو اليوم المعروف وأصله السكون ، يقال سبت إذا سكن وسبت اليهود تركوا العمل في سبتهم ، والجمع أسبت ، وسبوت ، وأسبات وقرأ ابن السمفع وكان في " الأسبات " على الجمع ( إذ تأتيهم حيتانهم ) ظرف ليعدون . والحيتان : جمع حوت وأضيفت إليهم لمزيد اختصاص لهم بما كان منها على هذه الصفة من الإتيان يوم السبت دون ما عداه ، و ( يوم سبتهم ) ظرف لتأتيهم . وقرئ " يوم أسباتهم و ( شرعا ) حال ، وهو جمع شارع : أي ظاهرة على الماء ، وقيل رافعة رؤوسها ، وقيل إنها كانت تشرع على أبوابهم كالكباش البيض . قال في الكشاف : يقال شرع علينا فلان إذا دنى منا وأشرف علينا ، وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا انتهى ( ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) أي لا يفعلون السبت ، وذلك عند خروج يوم السبت لا تأتيهم الحيتان ، كما كانت تأتيهم في يوم السبت ( كذلك نبلوهم ) أي مثل ذلك البلاء العظيم نبلوهم بسبب فسقهم والابتلاء الامتحان والاختبار ( وإذ قالت أمة ) معطوف على إذ يعدون معمول لعامله داخل في حكمه ، والأمة الجماعة : أي قالت جماعة من صلحاء أهل القرية لآخرين ممن كان يجتهد في وعظ المتعدين في السبت حين أيسوا من قبولهم للموعظة ، وإقلاعهم عن المعصية ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) أي مستأمل لهم بالعقوبة ( أو معذبهم عذابا شديدا ) بما انتهكوا من الحرمة وفعلوا من المعصية ، وقيل إن الجماعة القائلة لم تعظون قوما ؟ هم العصاة الفاعلون للصيد في يوم السبت ، قالوا ذلك للواعظين لهم حين وعظوهم . والمعنى : إذا علمتم أن الله مهلكنا كما تزعمون فلم تعظوننا ( قالوا معذرة إلى ربكم ) أي قال الواعظون للجماعة القائلين لهم لم تعظون ، وهم طائفة من صلحاء القرية على الوجه الأول ، أو الفاعلين على الوجه الثاني ( معذرة إلى ربكم ) قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ( معذرة ) بالنصب ، وهي قراءة حفص عن عاصم ، وقرأ الباقون بالرفع . قال الكسائي : ونصبه على وجهين : أحدهما على المصدر ، والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة : أي لأجل المعذرة . والرفع على تقدير مبتدأ : أي موعظتنا معذرة إلى الله حتى لا يؤاخذنا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أوجبهما علينا ، ولرجاء أن يتعظوا فيتقوا ويقلعوا عما هم فيه من المعصية . قال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق : فرقة عصت وصادت وكانت نحو سبعين ألفا ، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعص ، وفرقة اعتزلت ونهت ولم تعص ، فقالت الطائفة التي لم تنه ولم تعص للفرقة الناهية ( لم تعظون قوما ) يريدون الفرقة العاصية ( الله مهلكهم أو معذبهم ) قالوا ذلك على غلبة الظن لما جرت به عادة الله من إهلاك العصاة أو تعذيبهم من دون استئصال بالهلاك ، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون ولو كانوا فرقتين فقط ناهية غير عاصية ، وعاصية لقال : لعلكم تتقون . قوله ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي لما ترك العصاة من أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون عن المنكر ترك الناسي للشيء المعرض عنه كلية الإعراض ( أنجينا الذين ينهون عن السوء ) أي الذين فعوا النهي ، ولم يتركوه ( وأخذنا الذين ظلموا ) وهم العصاة المعتدون في السبت ( بعذاب بيس ) أي شديد من بؤس الشئ يبؤس بأسا إذا اشتد ، وفيه إحدى عشرة قراءة للسبعة وغيرهم ( بما كانوا يفسقون ) أي بسبب فسقهم والجار والمجرور متعلق بأخذنا ( فلما عتوا عما نهوا عنه ) أي تجاوزوا الحد في معصية الله سبحانه تمردا وتكبرا ( قلنا لهم كونوا قردة ) أي أمرناهم أمرا كونيا لا أمرا قوليا : أي مسخناهم قردة قيل إنه سبحانه عذبهم أولا بسبب المعصية فلما يقلعوا مسخهم قردة ، وقيل إن قوله ( فلما عتوا عما نهوا عنه ) تكرير لقوله ( فلما نسوا ما ذكروا به ) للتأكيد والتقرير ، وأن المسخ هو العذاب البيس ، والخاسئ الصاغر الذليل أو المباعد المطرود ، يقال خسأته فخسئ : أي باعدته فتباعد . واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينج من العذاب