الشوكاني

249

فتح القدير

هذا فيما يكون مضافا إليك . وقرئ ( ابن أمي ) بإثبات الياء . قوله ( فلا تشمت بي الأعداء ) الشماتة : السرور من الأعداء بما يصيب من يعادونه مع المصائب ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم أني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء " وهو في الصحيح ، ومنه قول الشاعر : إذا ما الدهر جر على أناس * كلا كله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا والمعنى : لا تفعل بي ما يكون سببا للشماتة منهم . وقرأ مجاهد ومالك بن دينار ( فلا تشمت بي الأعداء ) بفتح حرف المضارعة وفتح الميم ورفع الأعداء على أن الفعل مسند إليهم : أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله بي . وروى عن مجاهد أنه قرأ ( تشمت ) كما تقدم عنه مع نصب الأعداء . قال ابن جنى : والمعنى فلا تشمت بي أنت يا رب وجاز هذا كما في قوله - الله يستهزئ بهم - ونحوه ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء كأنه قال : ولا تشمت يا رب بي الأعداء ، وما أبعد هذه القراءة عن الصواب وأبعد تأويلها عن وجوه الإعراب . قوله ( ولا تجعلني مع القوم الظالمين ) أي لا تجعلني بغضبك علي في عداد القوم الظالمين : يعني الذين عبدوا العجل أو لا تعتقد أني منهم قوله ( قال رب اغفر لي ولأخي ) هذا كلام مستأنف جواب سؤال مقدر . كأنه قيل : فماذا قال موسى بعد كلام هارون هذا ؟ فقيل ( قال رب اغفر لي ولأخي ) طلب المغفرة له أولا ، ولأخيه ثانيا ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة ، فكأنه تذمم مما فعله بأخيه ، وأظهر أنه لا وجه له ، وطلب المغفرة من الله مما فرط منه في جانبه ، ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير فيما يجب عليهم من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم ، ثم طلب إدخاله وإدخال أخيه في رحمة الله التي وسعت كل شئ فهو ( أرحم الراحمين ) . وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ( واتخذ قوم موسى ) الآية ، قال : حين دفنوها ألقى عليها السامري قبضة من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : استعاروا حليا من آل فرعون ، فجمعه السامري فصاغ منه ( عجلا ) فجعله ( جسدا ) لحما ودما ( له خوار ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ( خوار ) قال : الصوت . وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : خار العجل خورة لم يئن ألم تر أن الله قال ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ) وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( سقط في أيديهم ) قال : ندموا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس ( أسفا ) قال : حزينا . وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال : الأسف منزلة وراء الغضب أشد من ذلك . وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب قال : الأسف الغضب الشديد وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها . وأخرج أبو الشيخ عنه قال : رفع الله منها ستة أسباعها وبقى سبع . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال : لما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقى الهدى . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : كانت تسعة رفع منها لوحان وبقى سبعة . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( ولا تجعلني مع القوم الظالمين ) قال : مع أصحاب العجل .