الشوكاني
238
فتح القدير
اجتماع المثلين فأبدلوا ألف الأولى هاء . وقال الكسائي : أصله مه : أي اكفف ما تأتينا به من آية ، وزيدت عليها " ما " الشرطية ، وقيل هي كلمة مفردة يجازى بها ، ومحل مهما الرفع على الابتداء ، أو النصب بفعل يفسره ما بعدها ، ومن آية لبيان مهما ، وسموها آية استهزاء بموسى كما يفيده ما بعده ، وهو ( لتسحرنا بها ) أي لتصرفنا عما نحن عليه كما يفعله السحرة بسحرهم ، والضمير في به عائد إلى مهما ، والضمير في بها عائد إلى آية ، وقيل إنهما جميعا عائدان إلى مهما ، وتذكير الأول باعتبار اللفظ ، وتأنيث الثاني باعتبار المعنى ( فما نحن لك بمؤمنين ) جواب الشرط : أي فما نحن لك بمصدقين : أخبروا عن أنفسهم أنهم لا يؤمنون بشئ مما يجئ به من الآيات التي هي في زعمهم من السحر ، فعند ذلك نزلت بهم العقوبة من الله عز وجل المبينة بقوله ( فأرسلنا عليهم الطوفان ) وهو المطر الشديد . قال الأخفش : واحدة طوفانة ، وقيل هو مصدر كالرجحان والنقصان فلا واحد له ، وقيل الطوفان : الموت . وقال النحاس : الطوفان في اللغة ما كان مهلكا من موت أو سيل : أي ما يطيف بهم فيهلكهم ( والجراد ) هو الحيوان المعروف أرسله الله لأكل زروعهم فأكلها ( والقمل ) قيل : هي الدباء ، والدباء الجراد قبل أن تطير ، وقيل هي السوس ، وقيل البراغيث ، وقيل دواب سود صغار ، وقيل ضرب من القردان ، وقيل الجعلان . قال النحاس : يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم . وقرأ الحسن " القمل " بفتح القاف وإسكان الميم . وقرأ الباقون بضم القاف وفتح الميم مشددة . وقد فسر عطاء الخراساني " القمل " بالقمل ( والضفادع ) جمع ضفدع وهو الحيوان المعروف الذي يكون في الماء ( والدم ) روى أنه سال النيل عليهم دما ، وقيل هو الرعاف . قوله ( آيات مفصلات ) أي مبينات ، قال الزجاج : هو منصوب على الحال . والمعنى : أرسلنا عليهم هذه الأشياء حال كونها آيات بينات ظاهرات ( فاستكبروا ) أي ترفعوا عن الإيمان بالله ( وكانوا قوما مجرمين ) لا يهتدون إلى حق ولا ينزعون عن باطل . قوله ( ولما وقع عليهم الرجز ) أي العذاب بهذه الأمور التي أرسلها الله عليهم ، وقرئ بضم الراء وهما لغتان ، وقيل كان هذا الرجز طاعونا مات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفا ( قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ) أي بما استودعك من العلم ، أو بما اختصك به من النبوة ، أو بما عهد إليك أن تدعو به فيجيبك ، والباء متعلقة بادع على معنى أسعفنا إلى ما نطلب من الدعاء بحق ما عندك من عهد الله ، أو ادع لنا متوسلا إليه بعهده عندك ، وقيل إن الباء للقسم ، وجوابه لنؤمنن : أي أقسمنا بعهد الله عندك ( لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ) على أن جواب الشرط سد مسد جواب القسم ، وعلى أن الباء ليست للقسم تكون اللام في ( لئن كشفت عنا الرجز ) جواب قسم محذوف ، و ( لنؤمنن ) جواب الشرط ساد مسد جواب القسم ( ولنرسلن معك بني إسرائيل ) معطوف على لنؤمنن ، وقد كانوا حابسين لبني إسرائيل عندهم يمتهنونهم في الأعمال فوعدوه بإرسالهم معه ( فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ) أي رفعنا عنهم العذاب عند أن رجعوا إلى موسى وسألوه بما سألوه ، لكن لا رفعا مطلقا ، بل رفعا مقيدا بغاية هي الأجل المضروب لإهلاكهم بالغرق ، وجواب لما ( إذا هم ينكثون ) أي ينقضون ما عقدوه على أنفسهم ، وإذا هي الفجائية : أي فاجئوا النكث وبادروه ( فانتقمنا منهم ) أي أردنا الانتقام منهم لما نكثوا بسبب ما تقدم لهم من الذنوب المتعددة ( فأغرقناهم في اليم ) أي في البحر ، قيل هو الذي لا يدرك قعره ، وقيل هو لجته وأوسطه ، وجملة ( بأنهم كذبوا بآياتنا ) تعليل للإغراق ( وكانوا عنها غافلين ) معطوف على كذبوا : أي كانوا غافلين عن النقمة المدلول عليها بانتقمنا ، أو عن الآيات التي لم يؤمنوا بها بل كذبوا بها وكانوا في تكذيبهم بمنزلة الغافلين عنها ، والثاني أولى لأن الجملتين تعليل للإغراق . وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود ( ولقد أخذنا آل