الشوكاني
224
فتح القدير
عطف بيان ، وهو شعيب بن ميكائيل بن يشجب بن مدين بن إبراهيم ، قاله عطاء وابن إسحاق وغيرهما . وقال الشرفي بن القطامي : إنه شعيب بن عيفاء بن ثويب بن مدين بن إبراهيم . وزعم ابن سمعان أنه شعيب بن حرة بن يشجب بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . وقال قتادة : هو شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم . قوله ( قال يا قوم ) إلى قوله ( بينة من ربكم ) قد سبق شرحه في قصة نوح . قوله ( فأوفوا الكيل والميزان ) أمرهم بإيفاء الكيل والميزان لأنهم كانوا أهل معاملة بالكيل والوزن ، وكانوا لا يوفونهما ، وذكر الكيل الذي هو المصدر وعطف عليه الميزان الذي هو اسم للآلة . واختلف في توجيه ذلك ، فقيل المراد بالكيل المكيال فتناسب عطف الميزان عليه ، وقيل المراد بالميزان الوزن فيناسب الكيل ، والفاء في " فأوفوا " للعطف على اعبدوا . قوله ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) البخس النقص وهو يكون بالتعييب للسلعة أو التزهيد فيها أو المخادعة لصاحبها والاحتيال عليه ، وكل ذلك من أكل أموال الناس بالباطل وظاهر قوله ( أشياءهم ) أنهم كانوا يبخسون الناس في كل الأشياء ، وقيل كانوا مكاسين يمكسون كل ما دخل إلى أسواقهم ، ومنه قول زهير : أفي كل أسواق العراق إتاوة * وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم قوله ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) قد تقدم تفسيره قريبا ويدخل تحته قليل الفساد وكثيره ودقيقه وجليله ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى العمل بما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه ، والمراد بالخيرية هنا الزيادة المطلقة ، لأنه لا خير في عدم إيفاء الكيل والوزن وفى بخس الناس وفي الفساد في الأرض أصلا . قوله ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) الصراط الطريق : أي لا تقعدوا بكل طريق توعدون الناس بالعذاب ، قيل كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجئ إليه ، ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وغيرهم ، وقيل المراد القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها ، وليس المراد به القعود على الطرق حقيقة ، ويؤيده ( وتصدون عن سبيل الله من آمن به ) وقيل المراد بالآية النهي عن قطع الطريق وأخذ السلب ، وكان ذلك من فعلهم ، وقيل إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في الطرق من أموال الناس فنهوا عن ذلك . والقول الأول أقربها إلى الصواب مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع هذه الأقوال المذكورة وجملة " توعدون " في محل نصب على الحال ، وكذلك ما عطف عليها : أي لا تقعدوا بكل طريق موعدين لأهله صادين عن سبيل الله باغين لها عوجا ، والمراد بالصد عن سبيل الله : صد الناس عن الطريق الذي قعدوا عليه ومنعهم من الوصول إلى شعيب ، فإن سلوك الناس في ذلك السبيل للوصول إلى نبي الله هو سلوك سبيل الله ، و ( من آمن به ) مفعول تصدون ، والضمير في آمن به يرجع إلى الله ، أو إلى سبيل الله ، أو إلى كل صراط أو إلى شعيب ، ( وتبغونها عوجا ) أي تطلبون سبيل الله أن تكون معوجة غير مستقيمة ، وقد سبق الكلام على العوج . قال الزجاج : كسر العين في المعاني وفتحها في الإحرام ( واذكروا إذ كنتم ) أي وقت كنتم ( قليلا ) عددكم ( فكثركم ) بالنسل ، وقيل كنتم فقراء فأغناكم ( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) من الأمم الماضية فإن الله أهلكهم وأنزل بهم من العقوبات ما ذهب بهم ومحا أثرهم ( وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به ) إليكم من الأحكام التي شرعها الله لكم ( وطائفة ) منكم ( لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) هذا من باب التهديد والوعيد الشديد لهم . وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر . وحكم الله بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين ، ومثله قوله تعالى - فتربصوا إنا معكم متربصون -