الشوكاني

22

فتح القدير

وقرأ الباقون ( قاسية ) ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) الجملة مستأنفة لبيان حالهم أو حالية : أي يبدلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله . وقرأ السلمي والنخعي " الكلام " . قوله ( ولا تزال تطلع على خائنة منهم ) أي لا تزال يا محمد تقف على خائنة منهم ، والخائنة : الخيانة ، وقيل هو نعت لمحذوف ، والتقدير فرقة خائنة ، وقد تقع للمبالغة نحو علامة ونسابة إذا أردت المبالغة في وصفه بالخيانة ، وقيل خائنة معصية . قوله ( إلا قليلا منهم ) استثناء من الضمير في منهم ( فاعف عنهم واصفح ) قيل هذا منسوخ بآية السيف ، وقيل خاص بالمعاهدين . قوله ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ) الجار والمجرور متعلق بقوله ( أخذنا ) والتقديم للاهتمام ، والتقدير : وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم : أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به . قال الأخفش هو كقولك أخذت من زيد ثوبه ودرهمه ، فرتبة الذين بعد أخذنا . وقال الكوفيون بخلافه ، وقيل إن الضمير في قوله ( ميثاقهم ) راجع إلى بني إسرائيل : أي أخذنا من النصارى مثل ميثاق المذكورين قبلهم من بني إسرائيل ، وقال ( من الذين قالوا إنا نصارى ) ولم يقل ومن النصارى للإيذان بأنهم كاذبون في دعوى النصرانية وأنهم أنصار الله . قوله ( فنسوا حظا مما ذكروا به ) أي نسوا من الميثاق المأخوذ عليهم نصيبا وافرا عقب أخذه عليهم ( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ) أي ألصقنا ذلك بهم ، مأخوذ من الغراء : وهو ما يلصق الشئ بالشيء كالصمغ وشبهه يقال غرى بالشيء يغرى غريا بفتح الغين مقصورا ، وغراء بكسرها ممدودا ، أي أولع به حتى كأنه صار ملتصقا به ، ومثل الإغراء التحرش ، وأغريت الكلب : أي أولعته بالصيد ، والمراد بقوله ( بينهم ) اليهود والنصارى لتقدم ذكرهم جميعا ، وقيل بين النصارى خاصة ، لأنهم أقرب مذكور ، وذلك لأنهم افترقوا إلى اليعقوبية والنسطورية والملكانية ، وكفر بعضهم بعضا ، وتظاهروا بالعداوة في ذات بينهم . قال النحاس : وما أحسن ما قيل في معنى ( أغرينا بينهم العداوة والبغضاء ) إن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم ، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها . قوله ( وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) تهديد لهم : أي سيلقون جزاء نقض الميثاق . وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ) قال : أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره ( وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا ) أي كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ( اثنى عشر نقيبا ) قال : من كل سبط من بني إسرائيل رجال أرسلهم موسى إلى الجبارين فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم ، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة ، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكالب بن يافنة ، فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم فعصوهما وأطاعوا الآخرين ، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما ، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك ، فضرب موسى الحجر لكل سبط عينا حجرا لهم يحملونه معهم ، فقال لهم موسى : اشربوا يا حمير ، فنهاه الله عن سبهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( اثنى عشر نقيبا ) قال : هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر رجل ، فقال : اقدروا قوة قوم وبأسهم وهذه فاكهتهم ، فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال ( فأذهب أنت وربك فقاتلا ) وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط ، وأسماؤهم مذكورة في السفر الرابع من التوراة ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وعزرتموهم ) قال : أعنتموهم . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ( وعزرتموهم )