الشوكاني

218

فتح القدير

نسبوه إلى الخفة والطيش ولم يكتفوا بذلك حتى قالوا ( إنا لنظنك من الكاذبين ) مؤكدين لظنهم كذبه فيما ادعاه من الرسالة ثم أجاب عليهم بنفي السفاهة عنه ، واستدرك من ذلك بأنه رسول رب العالمين . وقد تقدم بيان معنى هذا قريبا ، وكذلك سبق تفسير ( أبلغكم رسالات ربي ) وتقدم معنى الناصح ، والأمين المعروف بالأمانة ، وسبق أيضا تفسير ( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ) في قصة نوح التي قبل هذه القصة . قوله ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) أذكرهم نعمة من نعم الله عليهم ، وهي أنه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح : أي جعلهم سكان الأرض التي كانوا فيها ، أو جعلهم ملوكا ، وإذ منصوب باذكر وجعل الذكر للوقت . والمراد ما كان فيه من الاستخلاف على الأرض لقصد المبالغة ، لأن الشئ إذا كان وقته مستحقا للذكر ، فهو مستحق له بالأولى ( وزادكم في الخلق بسطة ) أي طولا في الخلق وعظم جسم زيادة على ما كان عليه آباؤهم في الأبدان . وقد ورد عن السلف حكايات عن عظم أجرام قوم عاد . قوله ( فاذكروا آلاء الله ) الآلاء : جمع إلى ومن جملتها نعمة الاستخلاف في الأرض ، والبسطة في الخلق وغير ذلك مما أنعم به عليهم ، وكرر التذكير لزيادة التقرير ، والآلاء النعم ( لعلكم تفلحون ) إن تذكرتم ذلك لأن الذكر للنعمة بسبب باعث على شكرها ، ومن شكر فقد أفلح . قوله ( قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ) هذا استنكار منهم لدعائه إلى عبادة الله وحده دون معبوداتهم التي جعلوها شركاء لله ، وإنما كان هذا مستنكرا عندهم لأنهم وجدوا آباءهم على خلاف ما دعاهم إليه ( ونذر ما كان يعبد آباؤنا ) أي نترك الذي كانوا يعبدونه ، وهذا داخل في جملة ما استنكروه . قوله ( فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) هذا استعجال منهم للعذاب الذي كان هود يعدهم به ، لشدة تمردهم على الله ونكوصهم عن طريق الحق وبعدهم عن اتباع الصواب ، فأجابهم بقوله ( قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ) جعل ما هو متوقع كالواقع تنبيها على تحقق وقوعه ، كما ذكره أئمة المعاني والبيان ، وقيل معنى وقع وجب : والرجس العذاب ، وقيل هو هنا الرين على القلب بزيادة الكفر ، ثم استنكر عليهم ما وقع منهم من المجادلة ، فقال ( أتجادلونني في أسماء ) يعني أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها جعلها أسماء ، لأن مسمياتها لا حقيقة لها بل تسميتها بالآلهة باطلة فكأنها معدومة لم توجد بل الموجود أسماؤها فقط ( سميتموها أنتم وآباؤكم ) أي سميتم بها معبوداتكم من جهة أنفسكم أنتم وآباؤكم ولا حقيقة لذلك ( ما نزل الله بها من سلطان ) أي من حجة تحتجون بها على ما تدعونه لها من الدعاوي الباطلة ثم توعدهم بأشد وعيد فقال ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) أي فانتظروا ما طلبتموه من العذاب فإني معكم من المنتظرين له ، وهو واقع بكم لا محالة ونازل عليكم بلا شك ، ثم أخبر الله سبحانه أنه نجى هودا ومن معه من المؤمنين به من العذاب النازل بمن كفر به ولم تقبل رسالته ، وأنه قطع دابر القوم المكذبين : أي استأصلهم جميعا . وقد تقدم تحقيق معناه ، وجملة ( وما كانوا مؤمنين ) معطوفة على كذبوا : أي استأصلنا هؤلاء القوم الجامعين بين التكذيب بآياتنا وعدم الإيمان . وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( وإلى عاد أخاهم هودا ) قال : ليس بأخيهم في الدين ولكنه أخوهم في النسب لأنه منهم فلذلك جعل أخاهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن خيثم قال : كانت عاد ما بين اليمن إلى الشأم مثل الذر . وأخرج ابن عساكر عن وهب قال : كان الرجل من عاد ستين ذراعا بذراعهم ، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة ، وكان عين الرجل لتفرخ فيها السباع ، وكذلك مناخرهم . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر ذراعا طولا . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس قال : كان الرجل منهم ثمانين باعا ، وكانت البرة فيهم ككلية البقرة ، والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر .