الشوكاني

208

فتح القدير

ذكره الزجاج ، وقيل هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وسعيد بن جبير ، وقيل هم العباس وحمزة وعلي وجعفر الطيار يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها ، حكى ذلك عن ابن عباس ، وقيل هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة ، واختار هذا القول النحاس ، وقيل هم أولاد الزنا ، روى ذلك عن ابن عباس ، وقيل هم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ذكره أبو مجلز ، وجملة ( يعرفون كلا بسيماهم ) صفة لرجال . والسيما العلامة : أي يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بعلاماتهم كبياض الوجوه وسوادها ، أو مواضع الوضوء من المؤمنين ، أو علامة يجعلها الله لكل فرق في ذلك الموقف يعرف رجال الأعراف بها السعداء من الأشقياء ( ونادوا أصحاب الجنة ) أي نادى رجال الأعراف أصحاب الجنة حين رأوهم ( أن سلام عليكم ) أي نادوهم بقولهم سلام عليكم تحية لهم وإكراما وتبشيرا ، أو أخبروهم بسلامتهم من العذاب . قوله ( لم يدخلوها وهو يطمعون ) أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف والحال أنهم يطمعون في دخولها ، وقيل معنى ( يطمعون ) يعلمون أنهم يدخلونها وذلك معروف عند أهل اللغة : أي طمع بمعنى علم ذكره النحاس . وهذا القول أعني كونهم أهل الأعراف مروي عن جماعة منهم ابن عباس وابن مسعود . وقال أبو مجلز : هم أهل الجنة : أي أن أهل الأعراف قالوا لهم سلام عليكم حال كون أهل الجنة لم يدخلوها والحال أنهم يطمعون في دخولها . قوله ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) أي إذا صرفت أبصار أهل الأعراف تلقاء أصحاب النار : أي جهة أصحاب ، وأصل معنى ( تلقاء ) جهة اللقاء ، وهي جهة المقابلة ولم يأت مصدر على تفعال بكسر أوله غير مصدرين ، أحدهما هذا ، والآخر تبيان ، وما عداهما بالفتح ( قالوا ) أي قال أهل الأعراف ( ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) سألوا الله أن لا يجعلهم منهم ( ونادى أصحاب الأعراف رجالا ) من الكفار ( يعرفونهم بسيماهم ) أي بعلاماتهم ( قالوا ) بدل من نادى ( ما أغنى عنكم جمعكم ) الذي كنتم تجمعون للصد عن سبيل الله ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، قوله ( وما كنتم تستكبرون ) " ما " مصدرية : أي وما أغنى عنكم استكباركم ( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) هذا من كلام أصحاب الأعراف : أي قالوا للكفار مشيرين إلى المسلمين الذين صاروا إلى الجنة هذه المقالة . وقد كان الكفار يقسمون في الدنيا عند رؤيتهم لضعفاء المسلمين بهذا القسم ، وهذا تبكيت للكفار وتحسير لهم . قوله ( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) هذا تمام كلام أصحاب الأعراف : أي قالوا للمسلمين ادخلوا الجنة ، فقد انتفى عنكم الخوف والحزن بعد الدخول . وقرأ طلحة بن مصرف " أدخلوا " بكسر الخاء . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن بن عباس في قوله ( أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ) قال : من النعيم والكرامة ( فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ) قال : من الخزي والهوان والعذاب . وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وقف على قليب بدر تلا هذه الآية : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ( وبينهما حجاب ) قال : هو السور وهو الأعراف ، وإنما سمى الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حذيفة قال : الأعراف سور بين الجنة والنار . وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال : الأعراف هو الشئ المشرف . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عنه قال : الأعراف سور له عرف كعرف الديك . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : الأعراف جبال بين الجنة والنار فهم على أعرافها ،