الشوكاني

197

فتح القدير

عبر سبحانه بالإنزال عن الخلق : أي خلقنا لكم لباسا يواري سوآتكم التي أظهرها إبليس من أبويكم ، والسوءة العورة كما سلف ، والكلام في قدرها وما يجب ستره منها مبين في كتب الفروع . قوله ( وريشا ) قرأ الحسن وعاصم من رواية المفضل الضبي وأبو عمرو من رواية الحسن بن علي الجعفي " ورياشا " وقرأ الباقون " وريشا " والرياش جمع ريش : وهو اللباس . قال الفراء : ريش ورياش كما يقال لبس ولباس ، وريش الطائر ما ستره الله به . وقيل المراد بالريش هنا : الخصب ورفاهية العيش . قال القرطبي : والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة . وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة : وهبت له دابة وريشها : أي وما عليها من اللباس . وقيل المراد بالريش هنا لباس الزينة لذكره بعد قوله ( قد أنزلنا عليكم لباسا ) وعطفه عليه . قوله ( ولباس التقوى ) قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب لباس . وقرأ الباقون بالرفع ، فالنصب على أنه معطوف على لباس الأول ، والرفع على أنه مبتدأ ، وجملة ( ذلك خير ) خبره ، والمراد بلباس التقوى : لباس الورع واتقاء معاصي الله ، وهو الورع نفسه والخشية من الله ، فذلك خير لباس وأجمل زينة ، وقيل لباس التقوى الحياء ، وقيل العمل الصالح ، وقيل هو لباس الصوف والخشن من الثياب لما فيه من التواضع لله ، وقيل هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد في سبيل الله ، والأول أولى . وهو يصدق على كل ما فيه تقوى لله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال ، ومثل هذه الاستعارة كثيرة الوقوع في كلام العرب ، ومنه : إذ المرء لم يلبس ثيابا من التقى * تقلب عريانا وإن كان كاسيا ومثله : تغط بأثواب السخاء فإنني * أرى كل عيب والسخاء غطاؤه والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى لباس التقوى : أي هو خير لباس ، وقرأ الأعمش ( ولباس التقوى خير ) والإشارة بقوله ( ذلك من آيات الله ) إلى الإنزال المدلول عليه بأنزلنا : أي ذلك الإنزال من آيات الله الدالة على أن له خالقا ثم كرر الله سبحانه النداء لبني آدم تحذيرا لهم من الشيطان ، فقال ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ) أي لا يوقعنكم في الفتنة ، فالنهي وإن كان للشيطان فهو في الحقيقة لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك ، والكاف في ( كما أخرج ) نعت مصدر محذوف : أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم من الجنة ، وجملة ( ينزع عنهما لباسهما ) في محل نصب على الحال ، وقد تقدم تفسيره ، واللام في ( ليريهما سوآتهما ) لام كي : أي لكي يريهما ، وقد تقدم تفسيره أيضا . قوله ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) هذه الجملة تعليل لما قبلها مع ما تتضمنه من المبالغة في تحذيرهم منه ، لأن من كان بهذه المثابة يرى بني آدم من حيث لا يرونه ، كان عظيم الكيد ، وكان حقيقا بأن يحترس منه أبلغ احتراس ( وقبيله ) أعوانه من الشياطين وجنوده . وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ممكنة ، وليس في الآية ما يدل على ذلك ، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه ، وليس فيها أنا لا نراه أبدا ، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقا ، ثم أخبر الله سبحانه بأنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون من عباده وهم الكفار . وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم ) قال : كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة ، وفى قوله ( وريشا ) قال : المال . وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير في قوله ( لباسا يوارى سوآتكم ) قال : الثياب ( وريشا ) قال : المال ( ولباس التقوى ) قال : خشية الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي في قوله ( لباسا يوارى سوآتكم )