الشوكاني
182
فتح القدير
لا ينفع نفسا إيمانها . قوله ( لم تكن آمنت من قبل ) أي من قبل إتيان بعض الآيات ، فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجئ بعض الآيات فإيمانها ينفعها ، وجملة ( لم تكن آمنت من قبل ) في محل نصب على أنها صفة نفسا قوله ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) معطوف على ( آمنت ) والمعنى : أنه لا ينفع نفسا إيمانها عند حضور الآيات متصفة بأنها لم تكن آمنت من قبل ، أو آمنت من قبل ولكن لم تكسب في إيمانها خيرا ، فحصل من هذا أنه لا ينفع إلا الجمع بين الإيمان من قبل مجئ بعض الآيات مع كسب الخير في الإيمان ، فمن آمن من قبل فقط ولم يكسب خيرا في إيمانه أو كسب خيرا ولم يؤمن فإن ذلك غير نافعه ، وهذا التركيب هو كقولك : لا أعطي رجلا اليوم أتاني لم يأتني بالأمس أو لم يمدحني في إتيانه إلي بالأمس ، فإن المستفاد من هذا أنه لا يستحق العطاء إلا رجل أتاه بالأمس ومدحه في إتيانه إليه بالأمس ، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم انتظروا ما تريدون إتيانه إنا منتظرون له ، وهذا تهديد شديد ووعيد عظيم ، وهو يقوى ما قيل في تفسير ( يوم يأتي بعض آيات ربك ) أنها الآيات التي اقترحوها من إتيان الملائكة وإتيان العذاب لهم من قبل الله كما تقدم بيانه . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ) قال : عند الموت ( أو يأتي ربك ) قال : يوم القيامة . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في تفسير الآية مثله . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ( أو يأتي ربك ) قال يوم القيامة في ظلل من الغمام . وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( يوم يأتي بعض آيات ربك ) قال : طلوع الشمس من مغربها . قال الترمذي غريب . ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي سعيد موقوفا . وأخرجه الطبراني وابن عدي وابن مردويه من حديث أبي هريرة مرفوعا . وأخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حماد والطبراني عن ابن مسعود موقوفا . فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه فهو واجب التقديم له متحتم الأخذ به ، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها ، ثم قرأ الآية " . وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي ذر مرفوعا نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه أيضا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) يقول : كسبت في تصديقها عملا صالحا هؤلاء أهل القبلة وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيرا فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها ، وإن عملت قبل الآية خيرا ، ثم عملت بعد الآية خيرا قبل منها وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) قال : يعني المسلم الذي لم يعمل في إيمانه خيرا وكان قبل الآية مقيما على الكبائر . والآيات التي هي علامات القيامة قد وردت الأحاديث المتكاثرة في بيانها وتعدادها ، وهي مذكورة في كتب السنة . سورة الأنعام الآية ( 159 - 160 )