الشوكاني
177
فتح القدير
أسفل منه ، ثم كثروا نسع فيه حتى عم . قوله ( أتل ما حرم ربكم ) أتل جواب الأمر ، وما موصولة في محل نصب به : أي أتل الذي حرمه ربكم عليكم . والمراد من تلاوة ما حرم الله تلاوة الآيات المشتملة عليه ، ويجوز أن تكون ما مصدرية : أي أتل تحريم ربكم . والمعنى : ما اشتمل على التحريم ، قيل ويجوز أن تكون ما استفهامية أي أتل أي شئ حرم ربكم على جعل التلاوة بمعنى القول ، وهو ضعيف جدا ، وعليكم أن تعلق بأتل ، فالمعنى : أتل عليكم الذي حرم ربكم ، وإن تعلق بحرم فالمعنى أتل الذي حرم ربكم عليكم ، وهذا أولى ، لأن المقام مقام بيان ما هو محرم عليكم لا مقام بيان ما هو محرم مطلقا ، وقيل إن عليكم للإغراء ولا تعلق لها بما قبلها . والمعنى عليكم أن لا تشركوا إلى آخره : أي الزموا ذلك كقوله تعالى - عليكم أنفسكم - وهو أضعف مما قبله ، وأن في ( أن لا تشركوا ) مفسرة لفعل التلاوة ، وقال النحاس : يجوز أن تكون في موضع نصب بدلا من ما : أي أتل عليكم تحريم الإشراك ، وقيل يجوز أن يكون في محل رفع بتقدير مبتدأ : أي المتلو أن لا تشركوا ، وشيئا مفعول أو مصدر أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء ، أو شيئا من الإشراك . قوله ( وبالوالدين إحسانا ) أي أحسنوا بهما إحسانا ، والإحسان إليهما البر بهما ، وامتثال أمرهما ونهيهما . وقد تقدم الكلام على هذا . قوله ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) لما ذكر حق الوالدين على الأولاد ، ذكر حق الأولاد على الوالدين ، وهو أن لا يقتلوهم من أجل إملاق . والإملاق الفقر ، فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكر والإناث خشية الإملاق وتفعله بالإناث خاصة خشية العار ، وحكى النقاش عن مؤرج أن الإملاق الجوع بلغة لخم ، وذكر منذر بن سعيد البلوطي أن الإملاق الإنفاق . يقال أملق ماله : بمعنى أنفقه . والمعنى الأول هو الذي أطبق عليه أئمة اللغة ، وأئمة التفسير ها هنا ( ولا تقربوا الفواحش ) أي المعاصي ، ومنه - ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة - وما في ( ما ظهر ) بدل من الفواحش ، وكذا ما بطن . والمراد بما ظهر ما أعلن به منها ، وما بطن : ما أسر . وقد تقدم ( ولا تقتلوا النفس ) اللام في النفس للجنس ، و ( التي حرم الله ) صفة للنفس : أي لا تقتلوا شيئا من الأنفس التي حرمها الله ( إلا بالحق ) أي إلا بما يوجبه الحق ، والاستثناء مفرغ : أي لا تقتلوه في حال من الأحوال إلا في حال الحق ، أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق ، ومن الحق قتلها قصاصا وقتلها بسبب زنا المحصن ، وقتلها بسبب الردة ، ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما تقدم مما تلاه عليهم ، وهو مبتدأ ( ووصاكم به ) خبره : أي أمركم به ، وأوجبه عليكم ( ولا تقربوا مال اليتيم ) أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه ( إلا ب ) الخصلة ( التي هي أحسن ) من غيرها ، وهي ما فيه صلاحه وحفظه وتنميته ، فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله ، وقيل المراد بالتي هي أحسن التجارة ( حتى يبلغ أشده ) أي إلى غاية هي أن يبلغ اليتيم أشده ، فإن بلغ ذلك فادفعوا إليه ماله ، كما قال تعالى - فإن آنستم منه رشدا - فادفعوا إليهم أموالهم . واختلف أهل العلم في الأشد ، فقال أهل المدينة : بلوغه وإيناس رشده . وقال أبو حنيفة : خمس وعشرون سنة . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو البلوغ . وقيل إنه انتهاء الكهولة ، ومنه قول سحيم الرباحي : أخو الخمسين مجتمع أشدى * وبحديثي مداورة الشؤون والأولى في تحقيق بلوغ الأشد أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد ، وهو أن يكون في تصرفاته بما له سالكا مسلك العقلاء ، لا مسلك أهل السفه والتبذير ، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء - وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم - فجعل بلوغ النكاح ، وهو بلوغ سن التكليف مقيدا بإيناس الرشد ، ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا ، والأشد واحد لا جمع له ، وقيل واحدة شد كفلس وأفلس