الشوكاني
167
فتح القدير
سورة الأنعام الآية ( 140 ) هذا بيان نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم . والحجر بكسر أوله وسكون ثانيه في قراءة الجمهور . وقرأ أبان بن عثمان " حجر " بضم الحاء والجيم ، وقرأ الحسن وقتادة بفتح الحاء وإسكان الجيم ، وقرأ ابن عباس وابن الزبير " حرج " بتقديم الراء على الجيم ، وكذا في مصحف أبي ، وهو من الحرج ، يقال فلان يتحرج : أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه . والحجر على اختلاف القراءات فيه هو مصدر بمعنى اسم المفعول : أي محجور ، وأصله المنع ، فمعنى الآية : هذه أنعام وحرث ممنوعة ، يعنون أنها لأصنامهم لا يطعمها إلا من يشاءون بزعمهم وهم خدام الأصنام . والقسم الثاني قولهم ( وأنعام حرمت ظهورها ) وهي البحيرة والسائبة والحام ، وقيل إن هذا القسم الثاني مما جعلوه لآلهتهم أيضا . والقسم الثالث ( أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) وهي ما ذبحوا لآلهتهم فإنهم يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله . وقيل إن المراد لا يحجون عليها افتراء على الله : أي للافتراء عليه ( سيجزيهم بما كانوا يفترون ) أي بافترائهم أو بالذي يفترونه ، ويجوز أن يكون افتراء منتصبا على أنه مصدر : أي افتروا افتراء أو حال : أي مفترين ، وانتصابه على العلة أظهر ، ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم فقال ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ) يعنون البحائر والسوائب من الأجنة ( خالصة لذكورنا ) أي حلال لهم ( ومحرم على أزواجنا ) أي على جنس الأزواج ، وهن النساء فيدخل في ذلك البنات والأخوات ونحوهن ، وقيل هو اللبن جعلوه حلالا للذكور ومحرما على الإناث ، والهاء في خالصة للمبالغة في الخلوص كعلامة ونسابة ، قاله الكسائي والأخفش . وقال الفراء : تأنيثها لتأنيث الأنعام . ورد بأن في بطون الأنعام غير الأنعام ، وتعقب هذا الرد بأن ما في بطون الأنعام أنعام ، وهي الأجنة ، وما عبارة عنها ، فيكون تأنيث خالصة باعتبار معنى ما ، وتذكير محرم باعتبار لفظها . وقرأ الأعمش " خالص " قال الكسائي : معنى خالص وخالصة واحد ، إلا أن الهاء للمبالغة كما تقدم عنه . وقرأ قتادة " خالصة " بالنصب على الحال من الضمير في متعلق الظرف الذي هو صلة لما ، وخبر المبتدأ محذوف كقولك : الذي في الدار قائما زيد ، هذا قول البصريين ، وقال الفراء : إنه انتصب على القطع . وقرأ ابن عباس " خالصة " بإضافة خالص إلى الضمير على أنه بدل من ما . وقرأ سعيد بن جبير " خالصا " ( وإن يكن ميتة ) . قرئ بالتحتية والفوقية : أي وإن يكن الذي في بطون الأنعام ( ميتة فهم فيه ) أي في الذي في البطون ( شركاء ) يأكل منه الذكور والإناث ( سيجزيهم وصفهم ) أي بوصفهم على أنه منتصب بنزع الخافض ، والمعنى : سيجزيهم بوصفهم الكذب على الله ، وقيل المعنى : سيجزيهم جزاء وصفهم . ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم فقال ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها ) أي بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفها : أي لأجل السفه : وهو الطيش والخفة لا لحجة عقلية ولا شرعية كائنا ذلك منهم ( بغير علم ) يهتدون به . قوله ( وحرموا ما رزقهم الله ) من الأنعام التي سموها بحائر وسوائب ( افتراء على الله ) أي للافتراء عليه أو افتروا افتراء عليه ( قد ضلوا ) عن طريق الصواب بهذه الأفعال ( وما كانوا مهتدين ) إلى الحق ، ولا هم من أهل الاستعداد لذلك . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) قال : الحجر ما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد