الشوكاني
157
فتح القدير
وضلالة لا يرجع إلى شئ من العلم ، ثم أمرهم الله أن يتركوا ظاهر الإثم وباطنه . والظاهر : ما كان يظهر كأفعال الجوارح ، والباطن : ما كان لا يظهر كأفعال القلب ، وقيل ما أعلنتم وما أسررتم ، وقيل الزنا الظاهر والزنا المكتوم . وأضاف الظاهر والباطن إلى الإثم لأنه يتسبب عنهما ، ثم توعد الكاسبين للإثم بالجزاء بسبب افترائهم على الله سبحانه . وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) إلى قوله ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) فإنه حلال ( إن كنتم بآياته ) يعني القرآن ( مؤمنين ) قال : مصدقين ( وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) يعني الذبائح ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) يعني ما حرم عليكم من الميتة ( وإن كثيرا ) يعني من مشركي العرب ( ليضلون بأهوائهم بغير علم ) يعني في أمر الذبائح . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( إلا ما اضطررتم إليه ) أي من الميتة والدم ولحم الخنزير . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( وذروا ظاهر الإثم ) قال : هو نكاح الأمهات والبنات ( وباطنه ) قال : هو الزنا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : الظاهر منه - لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - و - حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم - الآية ، والباطن : الزنا . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : علانيته وسره . سورة الأنعام الآية ( 120 - 121 ) نهى الله سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه . وفيه دليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه . وقد اختلف أهل العلم في ذلك ، فذهب ابن عمر ونافع مولاه والشعبي وابن سيرين وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل ، وبه قال أبو ثور وداود الظاهري أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية ، ولقوله تعالى في آية الصيد - فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه - ، ويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه في هذه الآية ( وإنه لفسق ) . وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية في الصيد وغيره . وذهب الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد أن التسمية مستحبة لا واجبة ، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء ابن أبي رباح ، وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله وهو تخصيص للآية بغير مخصص . وقد روى أبو داود في المرسل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ذبيحة المسلم حلال ، ذكر اسم الله أو لم يذكر " . وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية ، نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال : سموا أنتم وكلوا " يفيد أن التسمية عند الأكل تجزئ مع التباس وقوعها