الشوكاني
152
فتح القدير
أيمانهم التي بلغتها قدرتهم ، وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم ، فلهذا أقسموا به ، وانتصاب جهد على المصدرية وهو بفتح الجيم المشقة ، وبضمها الطاقة ، ومن أهل اللغة من يجعلهما لمعنى واحد ، والمعنى : أنهم اقترحوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية من الآيات التي كانوا يقترحونها وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التي اقترحوها ( ليؤمنن بها ) وليس غرضهم الإيمان ، بل معظم قصدهم التحكم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتلاعب بآيات الله ، فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله ( إنما الآيات عند الله ) هذه الآية التي يقترحونها وغيرها وليس عندي من ذلك شئ ، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها ، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها . قوله ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) . قرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة من أنها وهي قراءة مجاهد ، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود ( وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون ) قال مجاهد وابن زيد : المخاطب بهذا : المشركون : أي وما يدريكم ، ثم حكم عليهم بقوله ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) وقال الفراء وغيره : الخطاب للمؤمنين ، لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون ، فقال الله تعالى ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) وقرأ أهل المدينة والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم وابن عامر " أنها إذا جاءت " بفتح الهمزة ، قال الخليل : أنها بمعنى لعلها ، وفى التنزيل - وما يدريك لعله يزكى - أي أنه يزكى . وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا : أي لعلك ، ومنه قول عدي بن زيد : أعاذل ما يدريك أن منيتي * إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد أي لعل منيتي ، ومنه قول دريد بن الصمة : أريني جوادا مات هزلا لأنني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا أي لعلني ، وقول أبي النجم : قلت لشيبان ادن من لقائه * أني بعد اليوم من سوائه أي لعلى ، وقول جرير : هل أنتم عائجون بنا لأن * نرى العرصات أو أثر الخيام أي لعلنا اه . وقد وردت في كلام العرب كثيرا بمعنى لعل . وحكى الكسائي أنها كذلك في مصحف أبي بن كعب . وقال الكسائي أيضا والفراء : إن " لا " زائدة ، والمعنى : وما يشعركم أنها : أي الآيات ، إذا جاءت يؤمنون فزيدت كما زيدت في قوله تعالى - وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون - وفى قوله - ما منعك أن لا تسجد - وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة لا وقالوا : هو غلط وخطأ . وذكر النحاس وغيره أن في الكلام حذفا والتقدير : أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ، ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع . قوله ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) معطوف على " لا يؤمنون " قيل والمعنى : تقليب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر ( كما لم يؤمنوا ) في الدنيا ( ونذرهم ) في الدنيا : أي نمهلهم ولا نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في الآخرة . وبعضها في الدنيا ، وقيل المعنى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا : أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أول مرة عند ظهور المعجزة ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا ، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ونذرهم في طغيانهم يعمهون : أي يتحيرون ، والكاف في ( كما لم يؤمنوا ) نعت مصدر محذوف ، وما مصدرية ، و ( يعمهون ) في محل نصب على الحال ،