الشوكاني

119

فتح القدير

( قل هل يستوى الأعمى والبصير ) هذا الاستفهام للإنكار . والمراد أنه لا يستوي الضال والمهتدي ، أو المسلم والكافر أو من اتبع ما أوحي إليه ومن لم يتبعه ، والكلام تمثيل ( أفلا تتفكرون ) في ذلك حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما ، فإنه بين لا يلتبس على من له أدنى عقل وأقل تفكر . قوله ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) الإنذار ، الإعلام ، والضمير في به راجع إلى ما يوحى ، وقيل إلى الله ، وقيل إلى اليوم الآخر . وخص الذين يخافون أن يحشروا ، لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف ، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له . فإنه لا يؤثر فيه ذلك . قيل ومعنى يخافون : يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون ، فيشمل كل من آمن بالبعث من المسلمين وأهل الذمة وبعض المشركين ، وقيل معنى الخوف على حقيقته ، والمعنى : أنه ينذر به من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكره وإن لم يكن مصدقا به في الأصل ، لكنه يخاف أن يصح ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن من كان كذلك تكون الموعظة فيه أنجع والتذكير له أنفع . قوله ( ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ) الجملة في محل نصب على الحال : أي أنذر به هؤلاء الذين يخافون الحشر حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير يناصرهم ولا شفيع يشفع لهم من دون الله ، وفيه رد على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم ، وهم أهل الكتاب ، أو أن أصنامهم تشفع لهم . وهم المشركون . قوله ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) الدعاء العبادة مطلقا ، وقيل المحافظة على صلاة الجماعة ، وقيل الذكر وقراءة القرآن ، وقيل المراد الدعاء لله بجلب النفع ودفع الضرر . قيل : والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام على ذلك والاستمرار ، وقيل هو على ظاهره ، و ( يريدون وجهه ) في محل نصب على الحال . والمعنى : أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى : أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره . قوله ( ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ ) هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد : أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شئ ، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شئ فعلام تطردهم ؟ هذا على فرض صحة وصف من وصفهم بقوله - ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا - وطعن عندك في دينهم وحسبهم ، فكيف وقد زكاهم الله عز وجل بالعبادة والإخلاص ، وهذا هو مثل قوله تعالى - ولا تزر وازرة وزر أخرى - وقوله - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - وقوله - إن حسابهم إلا على ربي - . قوله ( فتطردهم ) جواب النفي في قوله ( ما عليك من حسابهم من شئ ) وهو من تمام الاعتراض : أي إذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل ، ومن في " ما عليك من حسابهم من شئ " للتبعيض ، والثانية للتوكيد . وكذا في " ما من حسابك عليهم من شئ " . قوله ( فتكون من الظالمين ) جواب للنهي أعني ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) أي فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين ، وحاشاه عن وقوع ذلك . وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الإسلام كقوله تعالى - لئن أشركت ليحبطن عملك - . وقيل إن " فتكون من الظالمين " معطوف على " فتطردهم " على طريق التسبب ، والأول أولى . قوله ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) أي مثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض الناس ببعض . والفتنة الاختبار : أي عاملناهم معاملة المختبرين . واللام في ( ليقولوا ) للعاقبة : أي ليقول البعض الأول مشيرين إلى البعض الثاني ( أهؤلاء ) الذين ( من الله عليهم من بيننا ) أي أكرمهم بإصابة الحق دوننا . قال النحاس : وهذا من المشكل ، لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا القول وهو إن كان على طريقة الإنكار كفر " وأجاب بجوابين :