الشوكاني

104

فتح القدير

وما بعده خبره كما تقول : الذي يكرمني فله درهم ، فالفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط . وقال الأخفش : إن شئت كان ( الذين ) في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في ( ليجمعنكم ) أي ليجمعن المشركين الذين خسروا أنفسهم ، وأنكره المبرد وزعم أنه خطأ ، لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب . لا يقال مررت بك زيد ولا مررت بي زيد ، وقيل يجوز أن يكون ( الذين ) مجرورا على البدل من المكذبين الذين تقدم ذكرهم أو على النعت لهم ، وقيل إنه منادى وحرف النداء مقدر . قوله ( وله ما سكن في الليل والنهار ) أي لله ، وخص الساكن بالذكر ، لأن ما يتصف بالسكون أكثر مما يتصف بالحركة ، وقيل المعنى : ما سكن فيهما أو تحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر ، وهذا من جملة الاحتجاج على الكفرة . قوله ( قل أغير الله أتخذ وليا ) الاستفهام للإنكار ، قال لهم ذلك لما دعوه إلى عبادة الأصنام ، ولما كان الإنكار لاتخاذ غير الله وليا ، لا لاتخاذ الولي مطلقا دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل . والمراد بالولي هنا : المعبود : أي كيف أتخذ غير الله معبودا ؟ و ( فاطر السماوات والأرض ) مجرور على أنه نعت لاسم الله ، وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ . وأجاز الزجاج النصب على المدح ، وأجاز أبو علي الفارسي نصبه بفعل مضمر كأنه قيل أترك فاطر السماوات والأرض . قوله ( وهو يطعم ولا يطعم ) قرأ الجمهور بضم الياء وكسر العين في الأول ، وضمها وفتح العين في الثاني : أي يرزق ولا يرزق ، وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش بفتح الياء في الثاني وفتح العين ، وقرئ بفتح الياء والعين في الأول وضمها وكسر العين في الثاني على أن الضمير يعود إلى الولي المذكور ، وخص الإطعام دون غيره من ضروب الإنعام لأن الحاجة إليه أمس . قوله ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) أمره سبحانه بعد ما تقدم من اتخاذ غير الله وليا أن يقول لهم إنه مأمور بأن يكون أول من أسلم وجهه لله من قومه ، وأخلص من أمته ، وقيل معنى ( أسلم ) استسلم لأمر الله ، ثم نهاه الله عز وجل أن يكون من المشركين . والمعنى : أمرت بأن أكون أول من أسلم ونهيت عن الشرك : أي يقول لهم هذا ، ثم أمره أن يقول ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) أي إن عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره أو نهيه . والخوف : توقع المكروه ، وقيل هو هنا بمعنى العلم : أي إني أعلم إن عصيت ربي أن لي عذابا عظيما . قوله ( من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ) قرأ أهل المدينة وأهل مكة وابن عامر على البناء للمفعول : أي من يصرف عنه العذاب ، واختار هذه القراءة سيبويه . وقرأ الكوفيون على البناء للفاعل وهو اختيار أبي حاتم ، فيكون الضمير على هذه القراءة لله . ومعنى ( يومئذ ) يوم العذاب العظيم ( فقد رحمه ) الله أي نجاه وأنعم عليه وأدخله الجنة ، والإشارة بذلك إلى الصرف أو إلى الرحمة : أي فذلك الصرف أو الرحمة ( الفوز المبين ) أي الظاهر الواضح ، وقرأ أبي ( من يصرف الله عنه ) . قوله ( وإن يمسسك الله بضر ) أي إن ينزل الله بك ضرا من فقر أو مرض ( فلا كاشف له إلا هو ) أي لا قادر على كشفه سواه ( وإن يمسسك بخير ) من رخاء أو عافية ( فهو على كل شئ قدير ) ومن جملة ذلك المس بالشر والخير . قوله ( وهو القاهر فوق عباده ) القهر : الغلبة ، والقاهر : الغالب ، وأقهر الرجل : إذا صار مقهورا ذليلا ، ومنه قول الشاعر : تمنى حصين أن يسود خزاعة * فأمسى حصين قد أذل وأقهرا ومعنى ( فوق عباده ) فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم ، لا فوقية المكان كما تقول : السلطان فوق رعيته : أي بالمنزلة والرفعة . وفى القهر معنى زائد ليس في القدرة ، وهو منع غيره عن بلوغ المراد ( وهو الحكيم ) في أمره ( الخبير ) بأفعال عباده . قوله ( قل أي شئ أكبر شهادة ) أي مبتدأ ، وأكبر خبره ، وشهادة تمييز ، والشيء يطلق على القديم والحادث ، والمحال والممكن . والمعنى : أي شهيد أكبر شهادة ، فوضع شئ موضع شهيد