الشوكاني
100
فتح القدير
سورة الأنعام الآية ( 4 - 11 ) قوله ( وما تأتيهم الخ ) كلام مبتدأ لبيان بعض أسباب كفرهم وتمردهم ، وهو الإعراض عن آيات الله التي تأتيهم كمعجزات الأنبياء ، وما يصدر عن قدرة الله الباهرة مما لا يشك من له عقل أنه فعل الله سبحانه ، والإعراض : ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله و " من " في ( من آية ) مزيدة للاستغراق و " من " في ( من آيات ) تبعيضية : أي وما تأتيهم آية من الآيات التي هي بعض آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ، والفاء في ( فقد كذبوا ) جواب شرط مقدر : أي إن كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هو أعظم من ذلك وهو الحق ( لما جاءهم ) قيل المراد بالحق هنا القرآن ، وقيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون ) أي أخبار الشئ الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن أو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، على أن ما عبارة عن ذلك تهويلا للأمر وتعظيما له : أي سيعرفون أن هذا الشئ الذي استهزءوا به ليس بموضع للاستهزاء ، وذلك عند إرسال عذاب الله عليهم ، كما يقال : اصبر فسوف يأتيك الخبر عند إرادة الوعيد والتهديد ، وفى لفظ الأنباء ما يرشد إلى ذلك فإنه لا يطلق إلا على خبر عظيم . قوله ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) كلام مبتدأ لبيان ما تقدمه ، والهمزة للإنكار ، و " كم " يحتمل أن تكون الاستفهامية وأن تكون الخبرية وهي معلقة لفعل الرؤية عن العمل فيما بعده . و ( من قرن ) تمييز ، والقرن يطلق على أهل كل عصر ، سموا بذلك لاقترانهم : أي ألم يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار كم أهلكنا من قبلهم من الأمم الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم . وقيل القرن مدة من الزمان . وهي ستون عاما أو سبعون أو ثمانون أو مائة على اختلاف الأقوال ، فيكون ما في الآية على تقدير مضاف محذوف : أي من أهل قرن . قوله ( مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) مكن له في الأرض جعل له مكانا فيها ، ومكنه في الأرض : أثبته فيها . والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : كيف ذلك ، وقيل إن هذه الجملة صفة لقرن ، والأول أولى ، و " ما " في " ما لم نمكن " نكرة موصوفة بما بعدها : أي مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم ، والمعنى : أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار